أعلن الديوان الأميري القطري، الأحد 12 يوليو/تموز الجاري، وفاة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق للدولة، ووالد الأمير الحالي، عن عمر ناهز 74 عاما.
وكان الديوان الأميري قد نشر بيانا ينعى فيه فقيد الوطن الكبير، المغفور له بإذن الله.
توالت برقيات التعزية من قادة ومسؤولين عرب وخليجيين ودوليين في وفاته، معربين عن خالص مواساتهم إلى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والأسرة الحاكمة، والشعب القطري.
رحل صاحب السمو بالجسد، لكن حضوره سيبقى خالدا في وجدان الإنسانية جمعاء، فهو الذي غير مفهوم استخدام الحكم من ممارسة للسلطة إلى جعل الحكم خدمة لنشر السلام والانفتاح والاستقرار في العالم.
كان الراحل صديق اللبنانيين، والمدافع الرئيسي عن قضاياهم، وهو الذي كسر قواعد العلاقات الدولية التي تُبنى على أساس تحديد المصالح وتقاطعهااستطاع الأمير الراحل أن يترك بصمة في سجل تاريخ دعم الحوار وبناء جسور السلام بين الشعوب، لتصبح دولة قطر مدرسة في فرض التسويات، من مضيق هرمز إلى غزة الجريحة، وأبعد من ذلك إلى الصراع القائم في شرق أوروبا، حيث قادت وساطة دولة قطر إلى جولات من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، خلصت إلى تبادل الأسرى بين الدولتين.
للعالم حزنه على سمو الأمير الوالد، لكن يبقى للبنان، تحديدا، حزن ممزوج بعبارة: شكرا قطر.
كيف لا، وللأمير الراحل دوره الحثيث في مساعدة لبنان بعد حرب يوليو/تموز 2006، حيث قاد حملة لإعادة إعمار القرى والبلدات المدمرة في جنوب لبنان، ومول بناء مشاريع حيوية عدة في الضاحية الجنوبية لبيروت.
كان الراحل صديق اللبنانيين، والمدافع الرئيسي عن قضاياهم، وهو الذي كسر قواعد العلاقات الدولية التي تبنى على أساس تحديد المصالح وتقاطعها.
لكن سياسة قطر السابقة والحالية تؤكد أن بناء علاقة أخوية بين الدول، بعيدا عن النفعية، أمر ممكن، وأن العطاء وتقديم الدعم دون مقابل يتمثلان اليوم في علاقة دولة قطر بلبنان، بحسب ما أرساه المغفور له سمو الأمير الوالد.
لهذا لم يتفاجأ اللبناني بما صدر عن رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام في المذكرة الإدارية رقم 2026/17، التي أعلن فيها الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام المرفوعة على الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات كافة في لبنان، بوفاة أمير قطر السابق.
إضافة إلى تعديل البرامج العادية في محطات الإذاعة والتلفزيون بما يتناسب مع المناسبة الأليمة، على أن يبدأ الحداد اعتبارا من تاريخ صدورها، ويستمر حتى يوم الأربعاء الواقع في 15 يوليو/تموز 2026 ضمنا.
رحل صاحب مواقف الوفاء، وترك خلفه تاريخا حافلا من الخدمة الإنسانية التي لم تميز يوما بين الناس بحسب الدين أو اللون أو الانتماء.
فقد حمل في قلبه ووجدانه مساندة المظلوم، وكانت للقضية الفلسطينية حصة الأسد في إستراتيجية الدولة القطرية ودبلوماسيتهابدأ حضور قطر الرسمي في السياسة اللبنانية منذ اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، واللافت أن هذا الحضور أتى بعد نيل الدولة القطرية استقلالها عن بريطانيا عام 1971، في إشارة واضحة إلى ما للبنان من مكانة عند أشقائنا القطريين.
لقد عرفت دولة قطر حتى اليوم ثلاثة عهود، لم تتغير فيها السياسة أو الإستراتيجية تجاه لبنان.
فقد عملت قطر، قيادة وشعبا، على ردم الهوة بين اللبنانيين من خلال فتح باب التحاور بين الطوائف المتقاتلة والمتخاصمة، التي كانت في كل مرة تصل إلى حائط مسدود.
وكانت القيادة القطرية تؤدي دورها في إيجاد الحلول وطرح المبادرات، وقد ترجم ذلك في اتفاق الدوحة عام 2008، بعدما كان اللبناني يعيش شبه حرب أهلية، نتيجة انسداد الأفق بين الأطراف اللبنانية بعد فراغ رئاسي قاتل.
تمايز الدعم القطري للبنان عن غيره من دعم سائر الدول، لأنه كان دائما يأتي عبر مؤسسات الدولة وأنظمتها، كما كان الحال في تقديم الدعم المالي للمؤسسة العسكرية عندما كان لبنان يغرق في أزمته المالية، التي لم يشهد لها مثيل منذ تأسيسه عام 1948.
فسياسة قطر في لبنان لم تكن استثمارا في فريق دون سواه من أجل تشغيل جبهات في الداخل تكون قادرة على استغلالها في فرض تسوياتها، كما تفعل أغلبية الدول العربية أو الإقليمية، التي تفتش عن مكاسب لها من خلال تقديم الدعم لفريق دون سواه.
ألم تكن الحرب الأهلية اللبنانية" حرب الآخرين على أرضنا"؟إن رحيله ليس نهاية لرجل تخطى حضوره حدود دولته، ودخل طيفه قلوب وعقول الملايين، بل هو نهج مستمر مع الخلف، لأن ما أسسه الراحل يتمثل في نهج دولةرحل صاحب مواقف الوفاء، وترك خلفه تاريخا حافلا من الخدمة الإنسانية التي لم تميز يوما بين الناس بحسب الدين أو اللون أو الانتماء.
فقد حمل في قلبه ووجدانه مساندة المظلوم، وكانت للقضية الفلسطينية حصة الأسد في إستراتيجية الدولة القطرية ودبلوماسيتها.
لذلك، فإن رحيله ليس نهاية لرجل تخطى حضوره حدود دولته، ودخل طيفه قلوب وعقول الملايين، بل هو نهج مستمر مع الخلف، لأن ما أسسه الراحل يتمثل في نهج دولة.
" لكم حزنكم على رحيل الأمير، وللبناني حزنه".
فاللبناني لن يتردد في رفع الصلاة في الكنائس والجوامع لراحة نفس سموه، صلاة لراحة نفس من استطاع أن يشكل علامة فارقة لدى اللبنانيين، كما الفلسطينيين والسوريين، الذين ساند ثورتهم حتى التحرير والانعتاق من السجن الأسدي الصغير إلى الحرية الواسعة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك