تتداخل الأبعاد الإنسانية والحقوقية والقانونية في تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان، مع استمرار النقاش حول سبل توثيق الانتهاكات وحفظ حقوق المدنيين المتضررين من هذه الحرب.
وفي صلب هذا النقاش، يبرز ملف الأطفال الضحايا، وأهمية توثيق أسمائهم وقصصهم وصون حقوقهم.
ويأتي ذلك في ظل اتهامات توجهها جهات مدنية وحقوقية لبنانية للسلطة بالتقاعس عن القيام بمسؤولياتها القانونية والسياسية والأخلاقية في هذا الملف، بالتزامن مع الجدل المستمر حول البند الثالث عشر من اتفاق الإطار بين بيروت وتل أبيب، وما يثيره من تساؤلات بشأن حدود تحرك الدولة اللبنانية في المحافل السياسية والقانونية الدولية.
وينص البند الثالث عشر من اتفاق الإطار على تعهّد لبنان وإسرائيل باتخاذ إجراءات بحسن نية تعكس نواياهما الإيجابية، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائية أو الضارّة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية.
وترى جهات مدنية وحقوقية أن هذا البند يعكس ما تصفه بتخلي الدولة اللبنانية عن مسار ملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية بحق المدنيين أمام المحافل السياسية والقانونية الدولية.
وفي خضم هذا الجدل، أُطلقت في 14 تموز/يوليو 2026 مبادرة" حبّات القلوب" كمشروع أهلي يهدف إلى حفظ ذاكرة الأطفال ضحايا الحرب الإسرائيلية على لبنان منذ تشرين الأول 2023، وتوثيق بياناتهم، وتوفير قاعدة معلومات يمكن الاستناد إليها في جهود التوثيق والمساءلة، إلى جانب إبقاء قصصهم حاضرة في الذاكرة الجماعية.
أكثر من أرشيف.
مشروع للذاكرة والمساءلةبحسب القائمين عليها، ترصد المبادرة حتى الآن مقتل 710 أطفال بصورة موثّقة، ينتمون إلى 463 عائلة في 173 بلدة ومدينة، بمتوسط عمر يبلغ تسع سنوات، بينهم 85 طفلًا غير لبناني و54 رضيعًا.
كما تُظهر قاعدة البيانات أن الضحايا توزعوا بين 393 ذكرًا (55.
4%) و317 أنثى (44.
6%)، فيما تشير بيانات المبادرة إلى أن أكثر من 145 عائلة فقدت طفليْن على الأقل خلال الحرب.
وتقوم المبادرة على أربعة أهداف رئيسية، هي: التوثيق الدقيق لكل طفل دون سن الثامنة عشرة وفق تعريف الأمم المتحدة، وتوفير أرشيف يشكل أساسًا للمساءلة القانونية، وإنشاء ذاكرة حية تحفظ صور الأطفال وآثارهم، إضافة إلى تزويد المبادرات والأنشطة الشعبية بالبيانات اللازمة.
ولا يقتصر عمل المبادرة على إنشاء قاعدة بيانات للضحايا، بل تسعى بالتعاون مع عائلته إلى بناء ذاكرة حيّة لكل طفل، من خلال جمع صوره ومعلوماته الشخصية وسيرته وقصته، وإتاحة المجال للأهالي والمجتمع للمساهمة في توثيق ذكرياته وحفظ تفاصيل حياته، بحيث لا تُختزل قصّتُه في اسم أو رقم ضمن الإحصاءات.
كما تتيح مساحةً لكتابة الحكايات المرتبطة بالأطفال الضحايا، بما يحفظ أحلامهم وآثارهم الإنسانية، ويمنح عائلاتهم فرصة رواية قصصهم وتوثيقها للأجيال المقبلة.
بالإضافة إلى هذه الخطوة، تخصّص المبادرة قسمًا للأطفال الجرحى، يتيح لهم ولعائلاتهم توثيق مسارات العلاج والتعافي، ولا سيما الذين خلّفت إصاباتهم إعاقات أو احتياجات طويلة الأمد، في محاولة لإبراز قصص الصمود والتعافي إلى جانب توثيق الخسائر الإنسانية.
كما تعمل على تنظيم هذه المواد ضمن قاعدة بيانات وأرشيف يمكن الاستفادة منه في الأنشطة البحثية والحقوقية والشعبية، وفي أي ملفات أو مسارات قانونية قد تُفتح مستقبلًا داخل لبنان أو خارجه.
من التوثيق إلى الضغط السياسيلا يقتصر المشروع على جمع البيانات، بل يحمل أيضًا بعدًا سياسيًا وحقوقيًا.
ويقول مؤسس المبادرة حسام مطر إن المشروع جاء في ظل ما يراه" تقاعس السلطة اللبنانية عن أداء مسؤولياتها القانونية والسياسية والأخلاقية الذي سرعان مع تحول إلى تنازل هذه السلطة عن حقوقها السيادية"، موضحًا أن الهدف هو حفظ ذكرى الأطفال الضحايا والجرحى" حتى لا يكونوا أرقامًا يطويها النسيان"، إلى جانب توثيق قصص الأطفال الجرحى وتجارب تعافيهم.
ويرى مطر أن أولى مهام المبادرة هي تحويل قضية الأطفال الضحايا إلى قضية وطنية جامعة لعزل خطابات الكراهية وضبط الانقسامات السياسية، لأن قضية الأطفال تحديدا تشكل نقطة التقاء بين غالبية اللبنانيين رغم اختلافاتهم السياسية.
وفي هذا السياق، يدعو إلى الضغط على الحكومة اللبنانية لتعديل مقاربتها، معتبرًا أن الحد الأدنى يتمثل في شطب البند الثالث عشر من اتفاق الإطار الذي يرفضه بالكامل كونه عبارة عن إملاءات مفروضة على لبنان، وأن تبادر وزارتا العدل والخارجية إلى توثيق وإثارة هذه القضية في مختلف المحافل الدولية والخارجية.
ويقول مؤسس" حبات القلوب" إن عدم قيام الوزيرين بهذه المسؤوليات يجعلهما، من وجهة نظره، " متهمين بالتواطؤ"، وحينها ينبغي محاسبتهما سياسيًا وقانونيًا حسب ما قال.
ويشدد مطر على أن تنازل الدولة عن مسارات معينة لا يحرم اللبنانيين الذين استهدف أطفالهم من اللجوء إلى القضاء داخل لبنان أو خارجه، مؤكدا على ضرورة تشبيك المبادرات المدنية والبحث عن الفرص القضائية المتاحة في مختلف الدول، والعمل على تمكين الأهالي من رفع الدعاوى ومتابعتها.
ويستند هذا الطرح إلى قواعد القانون الإنساني الدولي التي تعتبر أن استهداف المدنيين، متى توافرت أركان الجريمة، تندرج ضمن جرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم.
ولا تحصر المبادرة اهتمامها بالأطفال الذين فقدوا حياتهم، بل تخصص مساحة للأطفال الجرحى أيضًا.
ويشير مطر إلى وجود آلاف الأطفال المصابين، بينهم مئات يعانون إصابات خلّفت إعاقات دائمة، معتبرًا أن هؤلاء يحتاجون إلى برامج رعاية وتأهيل متخصصة، داعيًا الوزارات المعنية إلى توفير الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية اللازمة لهم ولأسرهم.
ويؤكد أن توثيق قصص تعافي الأطفال يمثل جزءًا من فلسفة المبادرة، باعتبارها محاولة لتحويل التجربة المؤلمة إلى مساحة تمنح الأمل وتعكس قدرة المجتمع على التعافي.
المجتمع المدني في مواجهة الفراغ الذي تتركه الدولةوتعكس مبادرة" حبّات القلوب" نموذجًا لدور المجتمع المدني في المجالات التي يرى ناشطون أنها لم تحظ بالمتابعة الكافية من المؤسسات الرسمية.
وبينما يستمر الجدل حول دور السلطة وحدود تحركها بعد اتفاق الإطار، تطرح" حبّات القلوب" مقاربة مختلفة تقوم على أن حفظ الذاكرة والتوثيق ليسا مجرد عمل إنساني، بل جزء من معركة الرواية والحقوق، ومحاولة لإبقاء أسماء الأطفال الضحايا وقصصهم حاضرة، بما قد يشكل أساسًا لأي مساءلة قانونية مستقبلية، وفي الوقت نفسه يحول دون تحوّلهم إلى تفصيل أومجرد أرقام.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك