رغم أن الساحرة المستديرة تعد لعبة رياضية، فإن بعض المباريات تتحول إلى أحداث تتجاوز المستطيل الأخضر، ومن أبرزها مواجهات الأرجنتين وإنجلترا، التى ارتبطت تاريخيًا بالنزاع على جزر فوكلاند (مالفيناس)، حيث قال المدرب الألمانى لمنتخب إنجلترا توماس توخيل الثلاثاء، إن المباريات بين الأرجنتين وإنجلترا هى «أكثر بكثير من مجرد مباراة كرة قدم»، وذلك عشية مواجهتهما، الأربعاء، فى أتلانتا، فى نصف نهائي كأس العالم بأمريكا الشمالية، مما تعكس أن المواجهات الكروية بين المنتخبين تحمل أبعادًا تاريخية وسياسية تتجاوز الرياضة، ويرتبط ذلك بشكل رئيسي بحرب جزر فوكلاند (مالفيناس) عام 1982.
جزر فوكلاند.
أصل الخلاف التاريخي بين الأرجنتين وإنجلتراوجزر فوكلاند، التي تسميها الأرجنتين جزر مالفيناس، هي أرخبيل يقع في جنوب المحيط الأطلسي، وتخضع للإدارة البريطانية، بينما تطالب الأرجنتين بالسيادة عليها، ولا يزال هذا النزاع السياسي قائمًا حتى اليوم، ما يمنح أي مواجهة رياضية بين البلدين بُعدًا تاريخيًا وعاطفيًا إضافيًا، رغم أن اللاعبين والجماهير قد ينظرون إليها من زوايا مختلفة.
واندلعت حرب فوكلاند عام 1982 بين بريطانيا والأرجنتين بسبب السيادة على الجزر الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي، وانتهت بانتصار بريطانيا واستمرار إدارتها للجزر، بينما لا تزال الأرجنتين تطالب بالسيادة عليها حتى اليوم.
وخلفت الحرب آثارًا عميقة في الوجدان الوطنى للبلدين، خاصة في الأرجنتين، حيث استمر النزاع لمدة 74 يومًا، وانتهى باستسلام الأرجنتين في 14 يونيو، وعادت جزر فوكولاند للسيطرة البريطانية، وقُتل في الصراع 649 عسكريًا أرجنتينيًا مقابل 255 عسكريًا بريطانيًا، وقُتل خلال النزاع أيضًا ثلاثة مدنيين من جزر فوكولاند.
مارادونا و" يد الله".
المباراة التي صنعت الأسطورةوبعد أربع سنوات فقط، التقى المنتخبان في ربع نهائي كأس العالم 1986 بالمكسيك، في مباراة حملت أبعادًا تتجاوز الرياضة، وفازت الأرجنتين بنتيجة 2-1 بفضل هدفي قائدها دييجو مارادونا، أحداهما الشهير بـ" يد الله"، والآخر الذى أطلق عليه لاحقًا" هدف القرن".
وفي تصريحات لاحقة، قال مارادونا إن هدف" يد الله" كان بالنسبة له أشبه بـ" انتقام رمزي" من إنجلترا بعد حرب فوكلاند، وهو ما عزز الربط بين المباراة والصراع السياسي في أذهان كثيرين، رغم أن المباراة كانت بطولة رياضية رسمية وليست امتدادًا للحرب.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت أي مواجهة بين الأرجنتين وإنجلترا تحظى باهتمام خاص، حيث ينظر إليها البعض باعتبارها مباراة تحمل إرثًا تاريخيًا وسياسيًا، بينما يؤكد آخرون أن المنافسة يجب أن تبقى داخل إطارها الرياضي بعيدًا عن الخلافات الدولية.
وهكذا، تحولت مباريات الأرجنتين وإنجلترا إلى رمز يجسد كيف يمكن للأحداث السياسية والتاريخية أن تترك بصمتها على الرياضة، لتصبح أكثر من مجرد 90 دقيقة من كرة القدم.
أغنية الأرجنتين تعيد قضية مالفيناس إلى الواجهةويستعرض نشيد 2026 الخاص بحاملي اللقب، " لا كوارتا إستريّا" (النجمة الرابعة)، في إشارة إلى اللقب الرابع الذي تطمح الأرجنتين لإحرازه، أبرز المواضيع التي تلقي بظلالها على المواجهة المرتقبة في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا.
وجاء في كلمات الأغنية" من أجل مالفيناس، ومن أجل دييجو، ومن أجل الأخيرة لليو (ميسي)، يا أرجنتين، أريد أن أراك بطلة للعالم مرتين متتاليتين"، مستخدمة الاسم الأرجنتيني" مالفيناس" للإشارة إلى جزر فوكلاند.
وقال المُدرّس إيسيكييل مورميس (33 عاما) لوكالة فرانس برس لدى خروجه من مشاهدة وثائقي بعنوان" المباراة"، يتناول فوز الأرجنتين التاريخي على إنجلترا في ربع نهائي كأس العالم 1986" أفقد صوابي، لم أنم، ولا أستطيع التفكير في أي شيء آخر".
أما إرنستو ألونسو الذي قاتل في حرب فوكلاند، فقلّل من أهمية ذلك النزاع في مباراة الأربعاء.
وقال: " بطريقة ما، كان مارادونا قد ثأر لنا بالفعل في عام 1986.
بالطبع نحن جميعا متحمسون ونريد الفوز، لكن لا يمكننا تحميل المنتخب الوطني مسؤولية قضية مالفيناس".
تُشكّل جزر فوكلاند أحد أبرز عناصر الهوية الأرجنتينية، إذ يرد مطلب السيادة عليها في الدستور وفي الكتب المدرسية وفي عدد لا يحصى من الجداريات والوشوم، كما في أسماء أحياء وفي ملاعب تحمل اسم" مالفيناس الأرجنتينية".
وفي مجتمع شديد الانقسام، ينظر فيه اليسار واليمين إلى بعضهما البعض كأعداء لدودين، كثيرا ما يردد الأرجنتينيون أن جزر فوكلاند والمنتخب الوطني لكرة القدم هما تقريبا القضيتان الوحيدتان اللتان تحظيان بإجماع الجميع.
لكن عام 2026 ليس كعام 1986، حين كانت جراح الحرب لا تزال مفتوحة وكان الضغط على مارادونا ورفاقه لاستعادة شرف البلاد المفقود في أوجه.
وقال أندريس بورجو، مؤلف كتاب" المباراة" الذي تحوّل لاحقا إلى فيلم وثائقي" تلك المباراة كانت مشوبة بالكثير من الرمزية".
وأضاف أن نصف النهائي هذا العام" يحمل أهمية رمزية أقل وأهمية رياضية أكبر".
ومع ذلك، وفي دليل على أن قضية فوكلاند لا تزال تثير مشاعر عميقة، يُعرض الفيلم الوثائقي أمام قاعات مكتظة بالمشاهدين.
وقال توماس باربيتو، وهو موظف تأمين يبلغ 33 عاما وكان يرتدي قميص المنتخب الأرجنتيني أثناء خروجه من إحدى دور السينما في بوينوس آيرس، إنه يشعر" بقلق شديد" قبل المباراة.
وأضاف" كأننا نريد الثأر لشيء لا يفترض أن نحتاج إلى الثأر منه".
ثقافتان كرويتان متشابهتان رغم العداوة التاريخيةودليلا على أن مواجهة إنجلترا لا تزال تثير الحماسة، شوهد ميسي وزملاؤه يقفزون فرحا بعد فوزهم على سويسرا مرددين" من لا يقفز فهو إنجليزي! ".
وربما لا يضاهي حماسة المشجعين الأرجنتينيين، بأهازيجهم وشغفهم باستفزاز المنافسين والسخرية منهم، سوى المشجعين الإنجليز أنفسهم.
وفي كلا البلدين، كثيرا ما امتد الشغف بكرة القدم إلى أعمال عنف.
وقال بورغو إنه رغم حدة التنافس، فإن الأرجنتينيين يجدون صدى لثقافتهم الكروية في إنجلترا.
وأضاف: " هناك دول لا تمتلك شغفا بكرة القدم، مثل الولايات المتحدة، ودول تمتلك الشغف لكن من دون ثقافة كروية.
أما إنجلترا فلديها الأمران معا، الشغف والثقافة، وأعتقد أن المشجعين الأرجنتينيين يدركون ذلك ويحترمونه رغم المنافسة التاريخية والخلاف حول جزر المالفيناس".
وتابع" هناك احترام لثقافة كرة القدم الإنجليزية، فالمدرجات متشابهة، كما أن الجماهير الإنجليزية تسافر لمساندة منتخبها.
معظم الجماهير الأوروبية لا تسافر، أما الإنجليز فيتنقلون بأعداد كبيرة ويملأون مدرجات كأس العالم".
ومن الأدلة أيضا على عمق الروابط التاريخية بين البلدين، أن العديد من الأندية الأرجنتينية تحمل إرث المهاجرين الإنجليز الذين أدخلوا كرة القدم إلى البلاد، مثل ريفر بليت و راسينغ و نيولز أولد بويز.
وردد باربيتو الفكرة نفسها قائلا" إنه أمر متناقض نوعا ما.
لكن الحقيقة أنني أحب الإنكليز والطريقة التي يعيشون بها كرة القدم ويتنفسونها".
وفى النهاية.
بينما تتغير الأجيال وتتبدل أسماء النجوم، يبقى اسم" مالفيناس" في الأرجنتين و" فوكلاند" في بريطانيا حاضرًا في خلفية كل مواجهة بين المنتخبين، لتظل هذه المباراة واحدة من أكثر المواجهات التي تمتزج فيها كرة القدم بالتاريخ والسياسة والهوية الوطنية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك