تحل، اليوم، ذكرى ميلاد أحد أعمدة الرواية العربية الكلاسيكية، الكاتب والروائي الكبير ثروت أباظة الذى عرف بـ باشا الأدباء، وبينما تزدحم الأوساط الثقافية بالحديث عن رائعته السينمائية" شيء من الخوف" وصراعاته الفكرية والسياسية، يظل الجانب الإنساني الخفي في حياته هو الأجدر بالتأمل.
ومن واقع كتابه" ذكريات لا مذكرات"، نبحر في تفاصيل محطات مجهولة صاغت وجدان هذا الأديب الأرستقراطي، بداية من واقعة تزوير تاريخ ميلاده، وصولاً إلى كواليس معاركه الأدبية والسياسية.
ورطة الرضيع في واقعة تزويرفي اعتراف طريف وموثق بصفحات مذكراته" ذكريات لا مذكرات"، كشف ثروت أباظة عن أسرار مدهشة لازمت هويته الرسمية وطفولته، حيث حرم من الاحتفال بيوم ميلاده الحقيقي وهو 28 يونيو 1927، وسجل في الدفاتر بتاريخ 15 يوليو، والسبب في ذلك يعود إلى والده، السياسي البارز ووزير الخارجية والبلدية الأسبق إبراهيم دسوقي أباظة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك ففي عام 1928، وحين كان ثروت طفلاً لم يتجاوز عامه الأول، استغله والده كـ" غطاء قانوني" في معركة قلمية، إثر اشتعال الخلاف بين رئيس الوزراء محمد محمود باشا والأديب عباس محمود العقاد، حيث قرر والد ثروت التدخل لكتابة مقالات ترد على العقاد في جريدة" السياسة"، وتفادياً للحرج السياسي والمساءلة، وقّع الأب المقالات باسم ابنه الرضيع" ثروت"، وحين جن جنون الأوساط الثقافية من جرأة الكاتب الجديد الذي يقف بندية أمام العقاد، كانت المفاجأة الصادمة أن هذا" الكاتب" ما هو إلا طفل رضيع، لتسجل المحاكم والصحافة المصرية أول معركة سياسية يقحم فيها اسم أديب وهو رضيع.
نشأ ثروت أباظة في كنف واحدة من أعرق عائلات مصر الأرستقراطية والأدبية، فوالده أديب ومفكر، وعمه هو شاعر السيف والقلم عزيز أباظة، وعمه الآخر الكاتب الساخر الأشهر فكري أباظة، هذا المناخ جعله يتشرب حب الكلمة منذ صغره، رغم مساره الأكاديمي الحاد، حيث تخرج من كلية الحقوق بجامعة القاهرة وبدأ حياته المهنية محامياً.
لكن سحر الصحافة والأدب كان أقوى فقرر أباظة خلع روب المحاماة الأسود مبكراً ليرتدي عباءة الفكر، اذ تنقل بين المؤسسات الصحفية الكبري، وتولى رئاسة تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون، ثم استقر به المطاف رئيساً للقسم الأدبي بجريدة" الأهرام" العريقة لأكثر من عقد كامل، محولاً مكتبه إلى صالون ثقافي تخرج منه عشرات المبدعين.
فؤادة وعتريس.
الرمزية التي هزت عرش السلطةرغم إنتاجه الغزير الذي تخطى 27 رواية، تظل رواية" شيء من الخوف"، هي المحطة الأكثر دراماتيكية في مسيرته، عندما تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1969 من إخراج حسين كمال، والذى منعت الرقابة عرضه بتوصية أمنية مشددة.
والسبب في ذلك اعتبار رجال الأمن والاتحاد الاشتراكي وقتها أن شخصية الطاغية" عتريس" هي إسقاط مباشر على شخص الرئيس جمال عبد الناصر، وأن" فؤادة" هي مصر الرافضة للاستبداد.
لكن بحسب مذكراته، وصف أباظة تلك الفترة بالعصيبة، حتى حُسمت الأزمة بعرض الفيلم في عرض خاص أمام عبد الناصر نفسه، وبعد انتهاء العرض، أطلق عبد الناصر جملته التاريخية التي أنقذت الفيلم" لو كنا نحن عتريس، وفؤادة هي مصر، فإننا نستحق القتل.
يُعرض الفيلم"، ليتحول العمل إلى أيقونة سياسية خالدة في تاريخ السينما والأدب.
جمع ثروت أباظة بين صفتين متناقضتين، فكان يلقب بـ باشا الأدباء لملامحه الأرستقراطية ونشأته العائلية، وفي الوقت ذاته كان فلاحاً أصيلاً ارتبط بأرض الشرقية وجسد نبض القرية المصرية في رواياته مثل هارب من الزمان ولقاء هناك.
ولم يقتصر عطاؤه على الأدب، بل انخرط في العمل العام والتشريعي، فتولى منصب رئيس اتحاد الكتاب المصريين، وعين عضواً بمجلس الشورى لسنوات طويلة شغل فيها منصب وكيل المجلس، مدافعاً شرساً عن حرية التعبير وحقوق الملكية الفكرية للمبدعين، وفي السابع عشر من مارس عام 2002، رحل ثروت أباظة عن دنيانا، تاركاً إرثاً روائياً وصحفياً استثنائياً.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك