بين ثنايا المرتفعات الغابية لمدينة عين دراهم في شمال غربي تونس، حيث تتشابك أشجار الفرنان الشامخة، ولدت قصة نجاح ملهمة يقودها المهندس عدنان الحداد، الذي نجح بعد سنوات من البحث العلمي والتجارب المخبرية والميدانية في الحصول على براءة اختراع لابتكاره من الطوب الإيكولوجي الذي يُعيد صياغة مفهوم العمارة المستدامة، ويفتح آفاقاً جديدة لفكرة البناء الأخضر.
بدأت القصة من مراقبة المهندس التونسي الشاب المساكن الحديثة المشيدة بالخرسانة والآجر التقليدي، والتي تتحول في فصل الصيف إلى أفران تحبس الحرارة، بينما تكون في فصل الشتاء شديدة البرودة والرطوبة، ما يضطر العائلات إلى استهلاك مفرط للطاقة عبر أجهزة التكييف والتدفئة، إلى جانب الارتفاع المتواصل في أسعار مواد البناء المصنعة كيميائياً، والتي تزيد من وطأة التلوث البيئي، ودفعه ذلك للتفكير في العودة إلى الطبيعة المحلية، واستنطاق ثرواتها التي تزخر بها الجهات التونسية، ليجد ضالته في توليفة بيئية بسيطة لكنها عبقرية.
من غابات عين دراهم، استخرج عدنان مادة الفلين من لحاء شجر الفرنان، وهو مادة طبيعية تتميز بخفتها الفائقة وبنية خلاياها الفريدة التي تجعلها عازلاً للصوت والحرارة، فضلا عن كونها مقاومة للتعفن والحرائق، ولا تفقد متانتها بمرور الزمن، فقام بسحقه ومزجه بنسب دقيقة مدروسة بعناية مع تربة ولاية زغوان الغنية بخصائص فيزيائية وكيميائية تمنح الطوب تماسكاً طبيعياً وصلابة تُغني عن استخدام الإسمنت وغيره من المواد الصناعية الضارة بالصحة والمحيط.
لينجح في إنتاج طوب إيكولوجي متجانس يحمل لون الأرض وروح الطبيعة، ويقدم حلاً معمارياً يناسب كل فصول السنة.
أطلق المهندس التونسي اسم" فرنان" على الطوب الذي ابتكره، نسبة إلى شجرة الفرنان التي اعتمد على لحائها في توليفته، وعند إخضاعه للاختبارات التقنية، ظهرت الميزة الاستثنائية التي تجعله يتفوق على الآجر العادي، وهي قدرته على تحقيق التوازن الحراري والديناميكي داخل المباني، فالطوب الجديد يعمل كدرع ذكي يمتص حرارة الشمس الحارقة في قيظ الصيف، ويمنع تسربها إلى الفضاء الداخلي، ما يضمن أجواء منعشة من دون الحاجة إلى المكيفات، وينقلب هذا الدور تماماً في صقيع الشتاء، إذ يعمل الطوب كخزان يحتفظ بالحرارة، ويمنع تسلل الرطوبة والبرودة عبر الجدران.
ويوفر هذا التكييف الحراري بيئة صحية ومريحة للسكان، ويحميهم من أمراض الرطوبة، كما يخفف عن كاهل العائلات أعباء فواتير الكهرباء والغاز، إلى جانب أن كلفة إنتاجه أقل من كلفة الآجر التقليدي، نظراً لاعتماده على مواد أولية محلية متوفرة، ولا تتطلب طاقة لحرقها أو تصنيعها، ما يجعله قادراً على توفير نحو 40% من استهلاك الطاقة وكلفة البناء.
ويقول عدنان الحداد لـ" العربي الجديد"، إن" براءة الاختراع التي حصلت عليها بعد عناء ليست مجرد وثيقة قانونية تُعلق على الجدار للتباهي بها، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية، وتنفيذ لعهد قطعته على نفسي كي أثبت للعالم أنّ الحلول الحقيقية لمواجهة التغيرات المناخية والتخفيف من أعباء الطاقة تستلزم العودة إلى الطبيعة.
طوب الفرنان لا يعتمد على قطع الأشجار، ولا يشجع على استغلال الغابات عشوائياً، بل يعتمد على نفايات الفرنان الناتجة عن عمليات التقليم الدورية للأشجار".
ويُضيف: " طموحي يتجاوز حدود الاعتراف العلمي، ويصب بالكامل في خانة التجسيد الميداني من خلال التخطيط لتأسيس شركة متخصصة في إنتاج هذا الطوب الإيكولوجي على نطاق واسع، والمشروع لن يكون مجرد نشاط تجاري هدفه مراكمة الأرباح، بل مشروع اجتماعي وبيئي يهدف إلى خلق حلقة تنموية متكاملة تبدأ من تشغيل الشباب واليد العاملة في المناطق الداخلية، وتثمين مدخراتهم الطبيعية، وصولاً إلى توفير مساكن اقتصادية صحيّة تحترم الطبيعة، وتضمن كرامة العيش بأقل التكاليف الممكنة".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك