لعقود طويلة كانت البنية التحتية للدفع العالمي شبه مستقرة؛ حوالات عبر شبكة سويفت، تسويات بالدولار، وبطاقات فيزا وماستركارد تهيمن على المدفوعات الاستهلاكية أو سوق بطاقات الدفع البلاستيكية، غير أن الخمس سنوات الأخيرة شهدت تسارعاً لافتاً في وتيرة التحول نحو أنظمة الدفع الفورية محلية، وعملات رقمية لبنوك مركزية، ومنصات تسوية عابرة للحدود تتحدى الترتيب القائم.
هذا التحول لا ينبع فقط من التطورات التكنولوجية، بل من حسابات جيوسياسية واقتصادية، أبرزها رغبة عدد متزايد من الدول في تقليل اعتمادها على هيمنة الدولار والبنية المالية الأميركية-الأوروبية.
وتباعا فإن التخلي عن نظام المدفوعات الأكثر انتشارا لم يكن خيارا متاحا في السابق، بل كان من مسلمات النظام المالي العالمي، لكن العقد الأخير حمل تحولات عميقة فيما يتعلق بالبنية التحتية لنظام المدفوعات العالمي، وباتت دول ليست أولها الصين ولن تكون آخرها البرازيل تفكر بالبدائل التي يمكن ان تخدم تلك الدول والتي توفر لها بدائل تحررها من قيود النظام المالي العالمي.
فعلى سبيل المثال يمثل نظام" بيكس" (Pix) البرازيلي، الذي أطلقه البنك المركزي البرازيلي في أواخر 2020، إحدى أنجح تجارب الدفع الفوري في العالم، ويتم الاستشهاد به بوصفه نموذجاً تحتذيه دول أخرى.
فبحلول نهاية عام 2025، تجاوز النظام البرازيلي حاجز سبعة مليارات معاملة شهرياً، مع توقعات بأن يقترب من ثمانية مليارات معاملة مع نهاية العام الجاري، ولعل الأهم من الأرقام المطلقة هو الانتشار المجتمعي؛ اذ يستخدم النظام أكثر من 178 مليون شخص، أي ما يعادل نحو 91% من السكان البالغين في البرازيل، وهي نسبة تفوق ما حققته أي بطاقة مصرفية أو محفظة رقمية في تاريخ البرازيل.
وتسير الصين في مسار مختلف ولكنه طموح، فاليوان الرقمي (e-CNY) بلغت تداولاته بنهاية 2025 نحو 3.
48 مليارات معاملة بقيمة إجمالية تقارب 16.
7 تريليون يوان (نحو 2.
37 تريليون دولار)، ما يجعله أكبر تجربة عملة رقمية لبنك مركزي في العالم من حيث الحجم، والأهم أن الصين لا تكتفي بالتوسع المحلي؛ فاعتباراً من يناير 2026 بدأ البنك المركزي الصيني تطبيق سياسة جديدة تحول اليوان الرقمي من مجرد بديل نقدي إلى أداة أشبه بالوديعة المصرفية التي تحقق عائداً على أرصدة المحافظ، في خطوة تهدف إلى تعميق استخدامه.
ولا يقل النموذج الهندي أهمية؛ فقد أصبح نظام" الواجهة الموحدة للمدفوعات" (UPI) أداة محلية للدفع الفوري، وبحلول منتصف 2026، أصبح UPI معتمداً في تسع دول، ومن المخطط رفع العدد إلى أكثر من عشرين دولة بحلول عام 2029.
وخلافاً لشبكات فيزا وماستركارد التي تفرض رسوماً تتراوح بين 1.
5% و3% على المعاملات، تكاد معاملات UPI تكون مجانية، ما يمنحها جاذبية خاصة للدول النامية الباحثة عن خفض تكلفة التحويلات والمدفوعات العابرة للحدود.
ما يميز الأنظمة الجديدة هو تمكين ملايين صغار التجار والأفراد غير المصرفيين من الدخول إلى الاقتصاد الرقمي دون المرور عبر شبكات البطاقات التقليدية المكلفة، هذا النجاح دفع دولاً في أفريقيا وآسيا لدراسة تبني نماذج مشابهة، ما يجعل من تجارب الدول المختلفة مرجعاً عملياً لسياسات الشمول المالي القائمة على التكنولوجيا لا على التوسع المصرفي التقليدي ذي الكلفة المرتفعة.
ولا يغيب الشرق الأوسط عن هذا المشهد، فقد نجح مصرف قطر المركزي في إنجاز المنصة التشغيلية الخاصة بالعملة الرقمية، وعززت قطر بنيتها الرقمية من خلال نظامي الدفع الفوري (فوراً) والتسويات الإجمالية الفورية (QA-RTGS)، وفي الإمارات، تحوّل الدرهم الرقمي من مشروع تجريبي إلى عملة رسمية بموجب قانون جديد يمنحه صفة قانونية معادلة للنقد الورقي، ويعمل البنك المركزي الإماراتي على تطوير مسارات تسوية عابرة للحدود بالدرهم الرقمي مع شركاء من بينهم الهند، كما أطلقت الإمارات منصة" آني" للدفع الفوري محلياً في 2023، ويُتوقع أن يتجاوز حجم سوق المدفوعات الرقمية في الإمارات 212 مليار دولار خلال 2026.
وفي السعودية، أصبحت خدمة" سريع" للدفع الفوري البنية الأساسية للتحويلات بين الحسابات المصرفية دون الحاجة لرقم الحساب المصرفي الدولي" الآيبان"، مستخدمة مداخل بديلة كرقم الهاتف أو الهوية الوطنية، في وقت تتوسع فيه محافظ الدفع الرقمي المختلفة.
وعلى المستوى الإقليمي، توفر منصة" بُنى" التي أطلقها صندوق النقد العربي مساراً بديلاً للتحويلات بين البنوك المركزية العربية، يقلل الاعتماد على شبكات المراسلة المصرفية التقليدية ويخفض تكلفة التحويلات البينية، ولا تسعى دول الخليج إلى فك ارتباط نقدي مع الدولار بقدر ما تسعى إلى تعزيز مكانتها بما هي مراكز مالية وتقنية إقليمية، وتنويع خيارات التسويات المالية عبر الانخراط في تجارب متعددة، صينية وهندية وعربية في آن واحد، دون حسم واضح لوجهتها النهائية.
ومما لا شك فيه ان دول العالم تتجه لإيجاد مسارات بديلة ومعقولة، وبدلا من السعي لإيجاد عملة جديدة لبعض التكتلات، ثبتت صعوبة الاتفاق عليها، ينصب التركيز على إيجاد بناء بنية تحتية عملية تربط الأنظمة القائمة، ويقوم هذا المسار على آليات تسوية بالعملات المحلية وخطوط مبادلة للعملات الأجنبية، بهدف تفادي المرور عبر الدولار في التجارة البينية.
ورغم زخم هذه المبادرات فإن ذلك لا يعني أفولا وشيكا للدولار أو نظام سويفت العالمي، فلا يزال هذا النظام هو الأكثر شيوعا ومصداقية، ورغم هذا التراجع التدريجي في حصة الشبكتين الأميركيتين، فيزا وماستركارد، لا تزال في موقع مهيمن عالمياً بحصة مجمعة تفوق 60% من سوق البطاقات، وتحتفظان بهيمنة شبه مطلقة على التجارة الدولية والسفر والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، وهي مجالات لا تغطيها الأنظمة المحلية الفورية بالسهولة نفسها كونها معدّة أساساً للاستخدام الداخلي.
والنتيجة المرجحة على المدى المتوسط تمثل تعايشاً بين منظومات متوازية؛ بنية غربية تقليدية لا تزال تستحوذ على الحصة الأكبر من التجارة والتمويل الدوليين، وشبكة صاعدة من الأنظمة المحلية والإقليمية تتوسع تدريجياً في هوامش التجارة البينية بين اقتصادات دول الجنوب، وعلى الأرجح أعادت المبادرات الجديدة صياغة النقاش حول من يملك حق تحديد قواعد التبادلات والتسويات العالمية، وهو تحول لا رجعة فيه بغض النظر عن مآلاته النهائية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك