كان الرأي العام في ليبيا مشدوداً إلى منصات البعثة الأممية طيلة يوم الثلاثاء الماضي، في انتظار نشر خبر توقيع اللجنة المصغرة (4+4) اتفاقها الذي سيفضي بليبيا إلى الانتخابات، بحسب إعلان البعثة الأسبوع الماضي عن أن الاتفاق سيتم توقيعه بعدما استكملت مشاوراتها في جميع الملفات، لا سيما أعقدها وهو ملف القوانين الانتخابية، إذ كان الخلاف حولها السبب الرئيس في تعثر استحقاق الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2021.
لكن وبشكل مفاجئ ومن دون أسباب واضحة، خرجت البعثة لتعلن أن اللجنة ضمّنت في الاتفاق" غالبية النقاط المتفق عليها"، وقررت عقد جلسة جديدة مطلع أغسطس/آب المقبل لمواصلة مشاوراتها، من دون أن توضح أسباب التأجيل، باستثناء إشارة قالت فيها إن اللجنة اعتمدت" آلية جديدة للتوصل إلى مرشح توافقي لرئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وذلك بعد تأخر تنفيذ الآلية المتفق عليها سابقاً".
لا يبدو أن كثيراً من المتابعين اقتنعوا بأن عدم حسم ملف رئاسة المفوضية هو السبب الحقيقي وراء تأجيل التوقيع، وحتى لو كان الأمر كذلك فلا يحتاج مواصلة المشاورات حتى أغسطس، فلماذا لم يُعلن عن موعد جديد للتوقيع؟ الكثير من التكهنات والقراءات طرحها العديد من المراقبين، وكان الاتجاه الغالب فيها يربط بين هذا التأجيل وبين تماهي المسار الأممي مع المسار الأميركي الذي يقوده مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، ذلك المسار الذي يسعى فيه بولس إلى تشكيل سلطة تنفيذية مشتركة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والقيادة العامة في بنغازي.
فالسلطة التنفيذية هي الملف الوحيد الذي لم تتناوله مناقشات اللجنة المصغرة بشكل علني على الرغم من أنه الملف الأهم الذي لن تجرى الانتخابات من دونه، فكيف ستجري انتخابات من دون سلطة موحدة!لطالما أنكرت البعثة الأممية أن مسارها يسير في اتجاه يتقاطع مع المسار الأميركي أو يرتبط به، لكن إذا جرى توقيع اتفاق اللجنة المصغرة على المسار الانتخابي من دون حسم مسألة السلطة التنفيذية الموحدة، فإن هذا المسار سيظل ناقصاً ولن يختلف كثيراً عن أي مسار سابق افتقر إلى الآليات العملية لإجراء الانتخابات، وفي مقدمتها وجود سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية.
في الواقع ما لم تعلنه البعثة الأممية يوم الثلاثاء الماضي، هو أن المسار الأميركي، الذي كان يفترض أن ينتهي إلى بناء سلطة تنفيذية مشتركة بين طرابلس وبنغازي خلال زيارة بولس الأخيرة، الأسبوع الماضي، ولقاءاته مع الفاعلين في المدينتين، قد تعثر، وأن البعثة مضطرة إلى انتظاره قبل الانتقال إلى جلسات حاسمة أو الإقدام على توقيع الاتفاق.
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فالسؤال الذي سيعود إلى الواجهة مجدداً: أي انتخابات يمكن أن تجرى إذا تشكلت السلطة التنفيذية من أبرز الفاعلين الذين ظلوا يرفضون مغادرة المشهد السياسي، حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والقيادة العامة في بنغازي؟ وأي انتخابات يمكن أن تنتج طبقة سياسية جديدة إذا كانت السلطة التي ستشرف عليها قد تشكلت أصلاً من أطراف الطبقة السياسية نفسها؟


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك