لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد عامل يضيف بضعة دولارات إلى سعر برميل النفط عالمياً، بل تحولت إلى المحرك الرئيسي لتوقعات المؤسسات المالية التي انتقلت خلال أربعة أشهر فقط من التحذير من قفزات قد تبلغ 200 دولار، إلى توقع عودة الأسعار إلى 60 دولاراً مع انحسار التوتر، قبل أن يعيد التصعيد العسكري الأخير بين أميركا وإيران رفع سقف التوقعات مجدداً إلى أكثر من 110 دولارات.
ويعكس هذا التحول السريع حجم تأثير التطورات العسكرية على سوق النفط العالمية، بعدما تجاوز خام برنت الأربعاء، مستوى 86 دولاراً، مدعوماً بإعلان إيران إغلاق مضيق هرمز والتلويح بإغلاق ممرات أخرى لتصدير النفط والغاز، إضافة إلى تصاعد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب.
وجاء أحدث تعديل في التوقعات من مصرف" غولدمان ساكس" الاستثماري الأميركي، إذ نقلت رويترز عن مذكرة أصدرها البنك مساء الثلاثاء، أن خام برنت قد يتجاوز 110 دولارات خلال الربع الأخير من العام الحالي، إذا استمر تعطل تعافي صادرات الخليج.
وأوضح البنك أن صادرات المنطقة، التي كانت قد استعادت أكثر من 80% من مستويات ما قبل الحرب عقب مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في يونيو/ حزيران الفائت، تراجعت مجدداً إلى أقل من 50% بعد الهجمات الأخيرة على ناقلات النفط، فيما ارتفعت الخسارة الصافية في تدفقات النفط الخليجية إلى 13.
4 مليون برميل يومياً.
وفي المقابل، أبقى البنك على سيناريو بديل يفترض هبوط الأسعار إلى 60 دولاراً إذا انحسرت التوترات سريعاً وعادت الإمدادات بوتيرة أسرع من المتوقع.
ويعكس اتساع الفجوة بين أدنى التوقعات وأعلاها حالة من عدم اليقين، إذ لم تعد المؤسسات المالية تبني تقديراتها على مؤشرات العرض والطلب التقليدية فحسب، بل أصبحت تربطها مباشرة بتطورات الميدان العسكري وسلامة الممرات البحرية.
ففي الظروف الطبيعية لا تتجاوز الفوارق بين توقعات البنوك الكبرى بضعة دولارات، أما اليوم فتصل الفجوة إلى نحو 140 دولاراً بين أدنى السيناريوهات وأعلاها، بما يعكس حجم المخاطر الجيوسياسية التي تهيمن على سوق الطاقة.
غير أن هذه ليست المرة الأولى التي ترتفع فيها سقوف التوقعات.
ففي 27 مارس/ آذار الماضي، نقلت وكالة رويترز عن بنك ماكواري (Macquarie) الأسترالي توقعه أن يصل خام برنت إلى 200 دولار في حال تطور الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة أدت إلى توقف جانب كبير من صادرات الخليج لفترة طويلة.
ويظل هذا الرقم الأعلى الذي طرحته مؤسسة مالية كبرى منذ اندلاع الأزمة، لكنه كان قائماً على سيناريو استثنائي يفترض تعطل الإمدادات لفترة ممتدة.
ومع استمرار المخاوف آنذاك، ذكرت وكالة رويترز في 27 إبريل/ نيسان أن مجموعة سيتي غروب رفعت تقديراتها إلى 110 دولارات في السيناريو الأساسي، مع احتمال بلوغ 150 دولاراً إذا استمر تعطل الملاحة في مضيق هرمز، بينما توقعت مجموعة" يو.
بي.
إس" (UBS)، وفق ما نشرته" رويترز" في 13 إبريل، أن تتجاوز الأسعار أيضاً 150 دولاراً إذا تعطلت تدفقات النفط عبر المضيق، مع ترجيح وصول برنت إلى 100 دولار في المدى القريب.
لكن المشهد تغير جذرياً بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في يونيو.
ووفق وكالة رويترز، سارعت بنوك عدة، بينها غولدمان ساكس وسيتي غروب ومورغان ستانلي وبنك أوف أميركا، إلى خفض توقعاتها، استناداً إلى فرضية استئناف الصادرات وعودة الإمدادات تدريجياً إلى السوق.
ففي ذلك الوقت، توقع" غولدمان ساكس" استقرار برنت قرب 80 دولاراً، بينما رجحت" سيتي غروب" هبوطه إلى ما بين 70 و75 دولاراً، وقدرت مؤسسات أخرى أن الأسعار قد تستقر بين 75 و80 دولاراً خلال عام 2027.
إلا أن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً.
فقد أعادت الهجمات على ناقلات النفط، وتصاعد التهديدات بإغلاق مضيق هرمز، خلط الأوراق مجدداً.
وزاد من المخاوف إعلان الحرس الثوري الإيراني أن الولايات المتحدة" يجب أن تتوقع إغلاق طرق أخرى لتصدير النفط والغاز"، مؤكداً أن" صادرات النفط والغاز في المنطقة إما متاحة للجميع وإما غير متاحة لأحد"، في إشارة إلى احتمال توسع المخاطر إلى ممرات بحرية أخرى.
في المقابل، بدأت السعودية تعزيز مساراتها البديلة، إذ أظهرت بيانات منصة سيغنال أوشن، التي نقلتها" رويترز"، الأربعاء، ارتفاع صادرات ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى نحو 4.
7 ملايين برميل يومياً، مع دراسة زيادة الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب" شرق-غرب"، بما يتيح نقل مزيد من الخام إلى البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز.
وتشير القراءة المقارنة لتوقعات المؤسسات المالية إلى أن الخلاف بينها لم يعد يدور حول أساسيات العرض والطلب، بل حول مسار الأزمة الجيوسياسية نفسها.
فكلما اقتربت المنطقة من التهدئة، عادت التوقعات إلى نطاق بين 60 و80 دولاراً، وكلما تصاعدت احتمالات تعطيل الإمدادات، ارتفع سقف التوقعات إلى ما بين 110 و200 دولار.
وبذلك، أصبحت حركة الناقلات في هرمز وباب المندب العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مستقبل أسعار النفط.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك