تُشبه الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، لقاءً تأجّل لأربعة عقود أو يزيد.
وبقدر ما يُعمِّق الزمن العداء؛ فإنه يستحلب الحماسة أيضًا.
والحال؛ أننا إزاء ذئبين عجوزين، عواؤهما عالٍ، وأنيابهما متهشّمة.
عندما يُفلس التاجر؛ يُفتّش فى دفاتره القديمة.
والمُنسحبون ذهنيا من الحاضر، لا يجدون سلوى إلا مع الماضى.
وعليه؛ ارتدّ ترامب فى الذاكرة، ويبدو أن خصومه يفعلون.
أعاد سيد البيت الأبيض نشر تصريحات كان أدلى بها إبّان أزمة رهائن السفارة الأمريكية فى طهران.
بدأت الوقائع بعد شهور من الثورة الإسلامية، وتصاعدت حتى انتهت بعد 444 يومًا، ودورٍ فاعل فى توجيه مسار الانتخابات الرئاسية.
وما تذكّره العجوز المُتعثّر فى واقعه؛ أنه أحال الجرأة الفارسية إلى فقدان الهيبة والاحترام، فكان ما كان من أمر سخيف مُروّع، مُعقّبًا على سؤالٍ عن الحلول الخشنة، بأنه يجب إرسال قوات على الأرض، ولا شكّ فى ذلك مُطلقًا، بحسب تعبيره الحرفى.
وقتها؛ كان الملالى فى أوج زهوهم، والثورة تعيش فورانها الأول.
الخُمينى لا يحمله تراب، ولا تحدّه سماء، ومعه حشد مُتأجج بالعاطفة، وقاعدة أُصولية تمتزج لديها مظلومية المذهب مع بارانويا العِرق.
فى غضون أسابيع اندلعت الحرب مع العراق، وفى أجوائها تسنّم على خامنئى مقعد الرئاسة تاليًا للمُرشد الأعلى، وكان فى مُستهل الأربعينيات من عُمره.
وطبقة الحُكم الآن من نتاج تلك المرحلة.
المُرشد الابن «مُجتبى» التحق بإحدى كتائب الحرس، ورئيس البرلمان كبير المفاوضين باقر قاليباف، ووزير الخارجية عراقجى، والجنرال وحيدى وغيرهم من مُتصدّرى المشهد.
تغير السنوات ملامح الناس، وتُهذّب نفوسهم.
وقد آل خامنئى الأب لغير ما ابتدأ به، فتحوّل إلى حمامة، أو بالأحرى صقر ضيّع غريزة الافتراس، فصار يتحدّث فى أواخر أيامه عن الكُمون والصبر الاستراتيجى، والرهان على أناة صانع السجاد ومهارة تاجر البازار.
وغريمه على الجانب الآخر من العالم، داعية الاجتياح وتسيير الجيوش ثأرًا لعشرات احتُجزوا داخل بناية، يُغالب اليوم كل احتمالات التورط فى قتال من النقطة صفر، ويكتم الندم على قرع الطبول من الأساس، ويتردّد لدرجة أشعرت العدوّ بالضعف، وأغرته بالذهاب معه إلى المدى الأقصى.
كان ترامب فى منتصف ثلاثينياته عندما قال بالغزو؛ ولعلّها اندفاعة الشباب، أو التحلُّل من المسؤولية السياسية.
وفى المرآة؛ خرج الإيرانيون من الاستعراض على أبدان الدبلوماسيين، إلى التمثيل بإخوتهم العسكريين فى حادثتى ثكنة المارنيز والسفارة ببيروت، بعد أقل من ثلاث سنوات، وبالتزامن مع تأسيس ميليشيا حزب الله.
ولو أن العدوّان امتلكا طاقة الماضى، أو استحضرا حماستهما فيه؛ لكنّا الآن إزاء حرب شعواء، من عيّنة المواجهات التى تنهى حقبة وتفتتح أخرى، وتُعيد ترسيم الخرائط على خلاف ما يهوى المُتحاربون جميعًا.
وما يزال الاحتمال قائمًا، وخطورة التورّط تلوح فى الأُفق؛ أكان باستشعار أحد الطرفين أنه قادر على المضىّ نحو غايته، أو أن كُلفة الإحجام تفوق عبء الإقدام، أم بالانزلاق ببطء على مُنحدر الحسابات المُضللة والأخطاء غير المقصودة.
انتهت جولة روما بين لبنان وإسرائيل بلا نتائج واضعة، واتفاق الإطار مُعلّق فى سماء الجنوب المُحتل، لا الصهاينة راغبون فى الحل، ولا الدولة قادرة على الإفلات من فخ الدويلة، والأخيرة مرهونة بقرار فوقىٍّ يأتيها من طهران.
تُبذَل محاولات شتّى، وبلا هوادة؛ لاستخلاص التهدئة فى غزة من مخالب الحكومة العبرية المُتطرفة؛ بينما يمضى الائتلاف باتجاه الانتخابات، مطوّقًا بُشبهات قائده، وارتفاع أسهم مُنافسيه، وعينه على ثغرةٍ يتفلّت منها، ليضع الصناديق والناخبين تحت غبار المعارك.
يطير نتنياهو إلى الولايات المتحدة خلال يومين أو ثلاثة، ويُحتَمَل أن يلتقى ترامب فى مكتبه البيضاوى، بعد خمسة أشهر من لقاءٍ سابق، كانت مُحصّلته اتخاذ قرار الحرب المُشتركة على الجمهورية الإسلامية.
مسعاه وغايته أن يُرَمِّم العلاقة، ويفوز بدعم الإدارة الذى قد يكون فارقًا فى محطته الانتخابية ومُستقبله السياسى.
إن أخفق فقد يتمرّد بنعومة، ويصطنع مزيدًا من الأزمات على جبهتى الشمال والجنوب، وإن حقق مُراده فربما تُسفِر المقابلة عن تصعيد فى إيقاع المواجهة مع إيران، أو منح تل أبيب ممرًّا لاستعراض القوّة عليها فى عُقر دارها.
ويظل احتمال أن يلعب الصهاينة بذيولهم، أو يُطيّروا ألعابهم النارية فوق ميدان ملىء بالنفط والبارود، ما يضع الجميع اضطرارًا أو اختيارًا فى أتون الصدام!إنها دراما عصيّة على التوقّع، ومُترعة بالمخاوف والفخاخ.
يتوجّب القلق من سلوك الملالى وردود فعلهم، ولا يصح الاطمئنان إلى الأمريكيين أيضًا.
ترامب خطرٌ إذا كان يعرف وجهته؛ وأكثر خطورة لو أنه يسير ارتجالاً، وحاله الراهنة مُوزّعة بين الأمرين!شنّ الحرب لأجل أربعة أهداف؛ ثم اختزلها فى النووى، وأبرم اتفاقا لا يختلف عن ورقة أوباما التى أسقطها.
أدخل مضيق هُرمز فى دائرة النار بعدما كان خارجها، وأهم ما يبتغيه اليوم أن يُعيده لِمَا كان عليه.
وبعد أن رفض فرض رسوم على الملاحة؛ لوّح بتأمين الممر الاستراتيجى لقاء خُمس البضائع العابرة، فكأن الخلاف على الصيغة لا المبدأ.
وأخيرًا عاد لقواعده؛ إنما قد يتردّد بين الشىء وضدّه مُجدّدًا، كما فى قضية جرينلاند وسواها.
ترامب القديم كان سينفخ فى النار إلى أن يحترق الجميع، والملالى الجُدد يُجرّبون رقصة الماضى من دون لياقته، ويبدو كأنهم يستغلون شيخوخة الشيطان الأكبر، غير مُتحسّبين من مكره، أو ردود فعل المُدرّجات المُحتشدة بالغاضبين.
يسعى كل طرفٍ لحراسة مُكتسباته، مع الخصم من الآخر.
وكلاهما يتعامى عن مفاعيل الحرب التى أرادها الصهاينة، وتحمّل أعباءها الإقليم كاملا.
لقد تغيّرت الخرائط فعلاً، سقط القديم، ولا قدرة لأحدٍ على تنصيب جديده دون سواه!يجنى الأمريكيون محصول إدارتهم الخاطئة للعلاقة مع المنطقة، ويُطلَب من الإيرانيين سداد ديون أربعة عقود من الانفلات والتجرّؤ على الجيران.
أخفقت منظومة «الاحتواء»، ولا بديل عن ابتكار منظومة أمن جديدة للإقليم، من خارج أفق الاستقواء وترسيم الحدود وتوزيع الأنصبة بإملاء خارجى، ولا بديل عن التشبيك والإدماج.
المُشكلة أنها لن تستقر باستبعاد إسرائيل، ولن تنشأ أصلاً بضمّها قبل تسوية ديونها واستيفاء المظالم العالقة فى رقبتها، ولعلّها لا تقبل أصلاً أن تكون شريكا بين مُتساوين.
إيران جزء كبير من الاستعصاء؛ لكنها ليست الأكبر والأخطر.
الدولة العبرية مفتاح الأزمة والحل، وعلى واشنطن أن تُعيد النظر فى أوراقها، تُقرّ بخطاياها، تُهذِّب سلوكها وسلوك حليفها؛ وستتفاجأ بالنتيجة: تشكيل الفضاء الأمنى بالتراضى، أو استبعاد المارقين بالإجماع.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك