العربي الجديد - وفاة نجم منتخب سورية فراس إسماعيل بعد حادث سير في تركيا قناة الغد - حزب الله اللبناني ينفي وجود أي نشاط له داخل سوريا العربي الجديد - الأردن: أول تطبيق دستوري لسقوط عضوية نائب بحكم قضائي في البرلمان قناة الجزيرة مباشر - قراءة عسكرية | مضيق هرمز في قلب التصعيد العسكري المتواصل بين واشنطن وطهران الجزيرة نت - الشيخ حمد بن خليفة.. إرث تعليمي امتد من قطر إلى الهند العربي الجديد - السلطات التركية توقف المنتج فاتح أكسوي ضمن تحقيق حول المخدرات روسيا اليوم - الحوثي: أمريكا وإسرائيل تسعيان للإبادة الجماعية وأنظمة عربية تتواطأ معهما ضد الأمة الجزيرة نت - 25 عاما على معاهدة روسيا والصين.. شراكة تتجاوز اختبار الزمن التلفزيون العربي - 104 مباريات مقابل 50 ألف دولار.. ثنائي يحول شغف المونديال إلى مهنة إعلام العرب - وزيرة خارجية بريطانيا تندد باحتجاز أبو صفية وتطالب بمحاسبة إسرائيل
عامة

العنف السياسي في العراق.. من الأسرة الهاشمية إلى الأنفال

رووداو عربية
رووداو عربية منذ 56 دقيقة

شهد العراق في الرابع عشر من تموز سنة 1958 واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخه السياسي الحديث، عندما انتهى النظام الملكي الهاشمي الذي حكم البلاد منذ تأسيس الدولة العراقية سنة 1921، وتعرض الملك" فيصل ...

شهد العراق في الرابع عشر من تموز سنة 1958 واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخه السياسي الحديث، عندما انتهى النظام الملكي الهاشمي الذي حكم البلاد منذ تأسيس الدولة العراقية سنة 1921، وتعرض الملك" فيصل الثاني" وأفراد أسرته إلى القتل، أعقبه التمثيل بجثة الوصي الأمير" عبد الإله بن علي"، ثم مقتل رئيس الوزراء" نوري السعيد" وسحل جثته في شوارع بغداد.

لم تكن هذه الأحداث مجرد نهاية لنظام حكم استمر سبعة وثلاثين عاماً، وإنما شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ العراق، إذ دشنت مرحلة جديدة أصبح فيها العنف السياسي وسيلة متكررة لحسم الصراع على السلطة، وهو ما ترك آثاراً عميقة في المجتمع العراقي، وانعكس لاحقاً على مختلف مكوناته القومية والدينية، وفي مقدمتها الشعب الكوردي.

لقد تأسست المملكة العراقية في الثالث والعشرين من آب سنة 1921 بتتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، في ظل الانتداب البريطاني، وتمكنت خلال العقود اللاحقة من بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وتأسيس الجيش والإدارة والقضاء والبرلمان، وتوسيع شبكة التعليم، وإقامة علاقات عربية ودولية واسعة.

كما شهدت سنواتها الأخيرة نهضة عمرانية واقتصادية مهمة بفضل مجلس الإعمار الذي أنشئ سنة 1950، مستفيداً من تزايد الإيرادات النفطية.

إلا أن هذه الإنجازات لم تمنع تصاعد المعارضة للنظام الملكي، إذ رأت الأحزاب القومية واليسارية والشيوعية أن استمرار النفوذ البريطاني، ولاسيما بعد معاهدة 1930 والانضمام إلى حلف بغداد سنة 1955، يتعارض مع الاستقلال الوطني، كما انتقدت استمرار التفاوت الاجتماعي وهيمنة كبار ملاك الأراضي على الحياة الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي أسهم في اتساع دائرة السخط الشعبي، ولاسيما بين الضباط الشباب والطلبة والعمال.

وتأثر العراق كذلك بالمناخ السياسي الذي ساد المنطقة العربية بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار في مصر سنة 1952 وصعود الرئيس جمال عبد الناصر زعيماً للحركة القومية العربية، فبدأ عدد من الضباط العراقيين بتأسيس تنظيم سري عرف باسم" تنظيم الضباط الأحرار"، هدفه إسقاط النظام الملكي وإقامة نظام جمهوري.

وفي فجر الرابع عشر من تموز سنة 1958 تحركت القطعات العسكرية بقيادة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام عارف، وسيطرت خلال ساعات على بغداد، وأعلنت عبر إذاعة بغداد نهاية الحكم الملكي وقيام الجمهورية العراقية.

وفي الوقت نفسه حوصر قصر الرحاب، حيث كان يقيم الملك فيصل الثاني مع أفراد أسرته.

وبعد مفاوضات قصيرة خرج الملك والوصي الأمير عبد الإله والملكة نفيسة والأميرة عابدية والأمير عبد الإله بن علي والأميرة هيام وعدد من أفراد الحاشية وهم يرفعون الراية البيضاء، اعتقاداً منهم بأنهم سيعتقلون أو ينفون إلى خارج البلاد، إلا أن إطلاق النار وقع بصورة مفاجئة، فسقط الملك وأغلب أفراد الأسرة المالكة قتلى، بينما نجت الأميرة هيام بعد إصابتها بجروح.

ولاتزال المسؤولية المباشرة عن إصدار أمر إطلاق النار موضع خلاف بين المؤرخين، إذ لم تظهر وثيقة رسمية تحسم هذه القضية بصورة نهائية، إلا أن النتيجة كانت القضاء على الأسرة الهاشمية الحاكمة خلال دقائق قليلة، لتنتهي بذلك حقبة سياسية استمرت منذ تأسيس الدولة العراقية.

وتجمع غالبية المصادر التاريخية على أن" النقيب عبد الستار سبع العبوسي" كان أول من أطلق النار على أفراد الأسرة الهاشمية داخل قصر الرحاب صباح 14 تموز 1958، قبل أن يشاركه عدد من الجنود في إطلاق النار.

ومع ذلك، مايزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كان تصرفه مبادرة فردية أم تنفيذاً لتوجيهات عسكرية صدرت إليه، في ظل غياب وثيقة رسمية تحسم هذه المسألة.

وتشير بعض الروايات المتداولة إلى أن العبوسي عاش في السنوات اللاحقة حالةً من الاضطراب النفسي وتأنيب الضمير بسبب دوره في تلك الأحداث، وأنه لم يكن ينعم بحياة مستقرة، بل تذهب بعض المصادر إلى أنه أنهى حياته منتحراً في مطلع سبعينيات القرن العشرين.

ولم يقف الأمر عند حدود القتل، بل امتد إلى التمثيل بجثة الوصي الأمير عبد الإله، إذ سُحلت في شوارع بغداد ثم عُلقت أمام مبنى وزارة الدفاع، وتعرضت للتشويه أمام أنظار الجماهير.

وبعد يوم واحد قتل رئيس الوزراء نوري السعيد، الذي كان يعد أبرز رجال الدولة العراقية وأكثرهم تأثيراً في السياسة العراقية منذ عشرينيات القرن العشرين، ثم سُحلت جثته هي الأخرى في شوارع العاصمة.

كما تعرضت القصور الملكية إلى النهب، وصودرت ممتلكات الأسرة الهاشمية، وضاعت وثائق ومقتنيات تاريخية مهمة، في ظل انهيار مؤسسات الأمن وانتشار الفوضى خلال الساعات الأولى من نجاح الانقلاب.

وتشير بعض الروايات التاريخية، ولاسيما الواردة في عدد من المذكرات العثمانية والتقارير البريطانية، إلى أن أعمال انتقام وتمثيل بجثث بعض الضباط والجنود العثمانيين وقعت عقب سيطرة قوات الثورة العربية على مكة سنة 1916.

وتنسب بعض هذه الروايات تلك الأحداث إلى القوات التي كان يقودها الأمير علي بن الحسين، نجل الشريف حسين بن علي وقائد العمليات العسكرية في مكة آنذاك، إلا أن هذه الروايات لا تحظى بإجماع المؤرخين، إذ لا توجد وثائق معاصرة وحاسمة تثبت أن الأمير علي أصدر أوامر مباشرة بسحل الضباط العثمانيين أو التمثيل بجثثهم.

ومع ذلك، فإن ورود هذه الروايات في عدد من المصادر التاريخية يعكس أن أعمال العنف والتمثيل بالجثث لم تكن حكراً على مرحلة معينة من تاريخ العراق أو المنطقة، بل رافقت عدداً من الصراعات السياسية والعسكرية في المشرق العربي خلال القرن العشرين.

لقد شكلت هذه الأحداث بداية مرحلة جديدة في تاريخ العراق، إذ انتقل الصراع السياسي من التنافس الدستوري إلى التصفية الجسدية للخصوم.

فبعد أقل من عام على الثورة شهدت مدينة الموصل في شهر آذار سنة 1959 أحداثاً دامية عقب فشل حركة العقيد عبد الوهاب الشواف، وأسفرت المواجهات عن مقتل أعداد كبيرة من العسكريين والمدنيين، ووقعت خلالها أعمال سحل وتمثيل بالجثث واعتقالات واسعة.

وتشير مصادر تاريخية عديدة إلى مشاركة جماعات مسلحة مرتبطة بالحزب الشيوعي العراقي، إلى جانب قوى مؤيدة للحكومة، في أعمال الانتقام التي رافقت القضاء على الحركة، وإن ظلت درجة مسؤولية كل طرف موضع نقاش بين الباحثين.

ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى شهدت مدينة كركوك في شهر تموز سنة 1959 أحداثاً أكثر مأساوية، عندما تحولت الاحتفالات بالذكرى الأولى للثورة إلى أعمال عنف واسعة استهدفت عدداً من أبناء المدينة، ولاسيما من التركمان، وسقط خلالها عشرات الضحايا، ووجهت أصابع الاتهام إلى عناصر من الحزب الشيوعي العراقي وبعض الجماعات المسلحة بالمشاركة في تلك الأحداث؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع شعبية الحزب داخل العراق، وأثار قلق عبد الكريم قاسم نفسه من تنامي نفوذه.

وقد ساهمت هذه الأحداث في ترسيخ ثقافة جديدة في الحياة السياسية العراقية، قوامها أن القوة هي الوسيلة الأسرع لحسم الخلافات السياسية.

ولم يعد الخصم يُهزم عبر الانتخابات أو المؤسسات الدستورية، وإنما بالإقصاء أو الاعتقال أو التصفية.

وسرعان ما انعكس ذلك على انقلاب الثامن من شباط سنة 1963، الذي شهد بدوره موجة جديدة من أعمال القتل والإعدامات والاعتقالات بحق الشيوعيين وأنصار عبد الكريم قاسم، لتدخل البلاد في حلقة متواصلة من العنف السياسي والانقلابات العسكرية التي تكررت خلال العقود اللاحقة.

ولم يكن الكورد بعيدين عن هذه التحولات.

فعلى الرغم من أن ثورة الرابع عشر من تموز استقبلت في بدايتها بترحيب واسع في المدن الكوردية، بعد أن نص الدستور المؤقت لسنة 1958 على" أن العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن"، وعاد الملا مصطفى البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفييتي ليستقبل استقبالاً رسمياً وشعبياً كبيراً، فإن هذا التقارب لم يدم طويلاً.

فقد ظهرت الخلافات بين الحكومة المركزية والحركة الكوردية حول طبيعة الحقوق القومية والإدارة المحلية، وانتهت باندلاع الحرب في أيلول سنة 1961، لتبدأ مرحلة طويلة من الصراع المسلح بين الحكومات العراقية المتعاقبة والحركة الكوردية.

ومنذ ذلك التاريخ أصبحت القوة العسكرية الوسيلة الرئيسة في معالجة القضية الكردية، فشهدت المناطق الكوردية حملات عسكرية متكررة خلال الستينيات والسبعينيات، رافقها تدمير قرى وعمليات تهجير وتغيير ديموغرافي، إلى أن بلغت هذه السياسة ذروتها خلال عقد الثمانينيات.

ففي أثناء الحرب العراقية الإيرانية نفذت السلطات العراقية حملة الأنفال سنة 1988، التي شملت تدمير آلاف القرى الكوردية، وتهجير سكانها، واعتقال عشرات الآلاف من المدنيين، واختفاء أعداد كبيرة منهم، كما تعرضت مدينة حلبجة في السادس عشر من آذار سنة 1988م لهجوم بالأسلحة الكيميائية أدى إلى مقتل آلاف المدنيين وإصابة أعداد كبيرة من النساء والأطفال والشيوخ، لتصبح واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق في القرن العشرين.

وعلى الرغم من اختلاف الظروف السياسية بين أحداث سنة 1958 وحملات الأنفال، فإن كثيراً من الباحثين يرون أن الرابط بينهما يتمثل في ترسيخ ثقافة استخدام العنف بوصفه أداة لمعالجة الأزمات السياسية والقومية.

فحين يصبح القتل خارج إطار القانون مقبولاً في لحظة سياسية معينة، يسهل تكرار هذه الممارسة ضد خصوم آخرين في مراحل لاحقة، مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية أو القومية.

ولذلك لم يكن ضحايا هذه الثقافة أفراد الأسرة الهاشمية وحدهم، ولا الشيوعيون أو القوميون أو البعثيون وحدهم، ولا الكورد وحدهم، بل امتدت آثارها إلى مختلف مكونات المجتمع العراقي، من عرب وكورد وتركمان وآشوريين وغيرهم، الذين وجدوا أنفسهم في مراحل مختلفة ضحايا لدورات متكررة من العنف والانتقام.

ومن هنا فإن مقتل الملك فيصل الثاني والوصي الأمير عبد الإله وأفراد الأسرة الهاشمية، وما أعقبه من مقتل نوري السعيد، لا يمكن النظر إليه بوصفه نهاية لعهد سياسي فحسب، بل يمثل بداية لمسار طويل من العنف السياسي الذي طبع تاريخ العراق الحديث؛ فقد أدى انهيار منظومة الضوابط القانونية والأخلاقية في تموز سنة 1958 إلى إضعاف هيبة الدولة وسيادة القانون، ورسخ فكرة أن الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها يمكن أن يتحقق بالقوة أكثر مما يتحقق بالمؤسسات الدستورية.

وقد أثبتت التجارب اللاحقة أن هذا المسار لم ينتج استقراراً سياسياً، بل قاد إلى مزيد من الانقلابات والصراعات والحروب الداخلية، حتى أصبح العراق، خلال العقود التالية، مسرحاً لدورات متعاقبة من العنف شملت معظم أبنائه.

ومن ثم فإن دراسة مأساة الأسرة الهاشمية لا تهدف إلى إعادة محاكمة الماضي أو إصدار الأحكام على أطرافه، وإنما إلى فهم اللحظة التي بدأ فيها العنف السياسي يتحول من استثناء إلى قاعدة في إدارة الدولة، واستخلاص الدرس التاريخي الذي يؤكد أن بناء الأوطان لا يتحقق بالانتقام، وإنما بسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية، وهي المبادئ التي تظل الضمانة الحقيقية لمنع تكرار مآسي الماضي.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك