نركض في قطار الحياة السريع، تسبقنا عقارب الساعة وتطاردنا لقمة العيش، حتى استسلمنا للعبة" المشاغل" التي شغلتنا عن أقرب الناس إلينا.
في هذه المتاهة اليومية الدائرة، بتنا نصل الليل بالنهار لنبني مستقبلاً مادياً مأمولاً، لكننا في المقابل نقطع ما أمر الله به أن يوصل، فصارت" صلة الرحم" ضحية أولى في سوق الاهتمامات المؤجلة، وتراجعت من منزلة الفرض العيني إلى خانة الفضول الوقتي.
لقد استبدلنا الحضور بالظهور، واللقاء بالارتقاء خلف شاشات الهواتف الصامتة، أصبحنا نكتفي برقم يُضغط، أو برقية تُرسل في المناسبات، وكأننا نبرئ ذمتنا بـ" ضغطة زر".
تحولت صلتنا إلى صدمة، وتواصلنا إلى فاصل، ونحن نبرر لأنفسنا هذا التباعد بالبحث عن التقدم والتباعد لمواجهة متطلبات المعيشة، غير أن الحقيقة المرة تشير إلى أننا لا نعيش أزمة" وقت" بقدر ما نعيش أزمة" ود"، فلا الوقت يرحم، ولا نحن نصل الرحم.
إن الرحم في لغتنا مشتقة من الرحمة، وهي العروق التي تنبض بالقرابة والدم، فكيف نتركها لتجف تحت وطأة السعي والركض خلف سراب المشاغل؟كيف نرضى لأنفسنا أن نكون في غاية الاتصال الافتراضي مع الغرباء، وفي أقصى درجات الانفصال الحقيقي مع الأقرباء؟ لقد تحولت بيوتنا إلى جزر معزولة، وتحولت صلة الرحم من زيارة تفيض بالبشر والسرور إلى مجرد عبء ثقيل نبحث عن مخرج يسقط فرضها من كاهلنا.
إن الوقوف على عتبات الأهل ليس ضياعاً للوقت بل هو استرداد للحياة، والارتماء في أحضان العائلة هو الاستثمار الأبقى الذي لا يطوله كساد الأسواق.
دعونا نكسر قيد المشاغل قبل أن تكسرنا وحشة الأيام، ونبدأ بوصل ما انقطع، فالرحم المعلقة بالعرش تنادي واصلها بالرحمة، وقاطعها بالقطيعة.
لنتوقف قليلاً عن الركض، لنلتفت إلى الوراء، ونعيد الحياة لروابط أوشكت على الجفاف، فلا قيمة لنجاح نحققه في غياب من يسعدون بنجاحنا.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك