في لحظات الفورة العاطفية، يحدث أحيانا ما يجعلنا نرى في أنفسنا قدرات لم نلحظها من قبل، مما يسلط الضوء على فرص قد لا تتكرر كثيرا، وفي خلال المهرجانات الكروية الكبرى ومشاركات المنتخب المصري في كأس العالم، شهد العالم مشاهد لافتة لأطفال وشباب من أبناء المهاجرين المصريين في أوروبا وأمريكا، وهم يحملون العلم المصري، ويرتدون قميص المنتخب، ويهتفون بأسماء نجومه، ويرددون الأغنيات المصرية، ويتفاعلون بنفس حماس أقرانهم في شوارع القاهرة والإسكندرية.
ويمكن النظر إلى هذه اللقطات العفوية ليس فقط بوصفها مظاهر تشجيع كروي عابر، لكن يمكن التعامل معها بوصفه ركيزة جديدة وفرصة لا يجب أن تمر عابرة من أجل ربط هؤلاء الشباب من الجيلين الثاني والثالث من المصريين المقيمين بالخارج، وهي تسحبنا مباشرة إلى سؤال جوهري يتعلق بمستقبل علاقة هؤلاء الأبناء بوطنهم الأصلي.
تشير الأرقام الرسمية إلى أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة، حيث تتجاوز في كثير من الفترات حاجز 20 إلى 30 مليار دولار سنويا، لتكون ركيزة أساسية للدخل القومي إلى جانب قناة السويس والسياحة، وإذا كانت مصر تفتخر بتصدير قواها البشرية وتعتبرهم سفراء لها ومصدرا رئيسيا لدعم الاقتصاد، فإن هذا المورد المالي والثقافي الممتد مهدد بالتناقص التدريجي، والسبب لا يخفى على أحد، فالجيل الأول الذي يرتبط بالوطن بذكرياته وعائلته المباشرة سيفسح الطريق لأبنائه الذين ولدوا ونشأوا في مجتمعات غير ناطقة بالعربية، وبلا تدبير واعي، سينتقل هؤلاء بالتبعية من كونهم مصريين في المهجر إلى مواطنين أجانب بالكامل لا يربطهم بمصر إلا اسم مدون في الأوراق الرسمية.
من هنا تعود كرة القدم لتمنحنا فرصة استراتيجية يجب التقاطها فورا، فالرياضة -وبالأخص النجوم ذوو الجاذبية العالمية والشعبية الجارفة بين الشباب- تملك قدرة على الاختراق الثقافي والتأثير الوجداني تفوق أحيانا الخطابات الرسمية والبيانات التقليدية، كما أن الانتماء الذي تتأجج جذوته مع كل مباراة للمنتخب يتطلب تحويله من مجرد عاطفة مؤقتة إلى رابطة مؤسسية مستدامة، عبر مبادرة قومية تعيد صياغة مفهوم التواصل الثقافي مع المصريين في الخارج.
يمكن أن تقوم هذه المبادرة على شراكة تنشيطية ومباشرة بين وزارات الخارجية والهجرة، والشباب والرياضة، والثقافة، بحيث يتم تعيين نجوم المنتخب القومي ورموز إدارته كسفراء للهوية المصرية، على أن تتولى السفارات والقنصليات المصرية في دول التجمع الكثيف -مثل الولايات المتحدة، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا- تنظيم لقاءات وجولات فردية ومدروسة لهؤلاء اللاعبين مع الأطفال والشباب، ولا يقتصر الحديث في هذه اللقاءات، لا يقتصر الحديث على الكرة، لكنها تكون مدخلا يتم عن طريقه تقديم الجوانب الحضارية واللغوية والثقافية لمصر بأسلوب عصري وجذاب، يوصل رسالة واضحة مفادها أن الوطن يتذكرهم، ويفخر بهم، ويسعى لبناء جسور ممتدة معهم.
نجاح هذا التوجه يتطلب التخلي عن الأساليب العفوية، ووضع برامج تربوية وإعلامية موجهة يصممها متخصصون في علوم الاجتماع والإعلام والحضارة المصرية، مع مراعاة الطبيعة الثقافية لكل دولة على حدة.
إن الاستثمار في هذه اللحظة العاطفية الفائرة هو تطبيق عملي لمبدأ طرق الحديد وهو ساخن، وهو عودة مباشرة للاستفادة من أثر القوى الناعمة المصرية بشكل مباشر وفعال، كما أن تأجيل هذه خطوات إلى الغد يعني التفريط في أجيال كاملة يمكن أن تشكل امتدادا لهذه القوة الناعمة والتخلي عن دعم لا ينقطع لمكانتها واقتصادها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك