ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة.
وضيفنا في هذه الحلقة الكاتب الأديب شريف ابراهيم أحمد، والذي يعرض لقراءة أدبية “في رواية سطور من دفتر أحوال شارع 9″، للأديبة الدكتورة وداد معروف.
هناك روايات تُبنى على الأحداث الكبرى، وأخرى تُبنى على التفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها تخفي وراءها عالماً كاملاً من الأحلام المجهضة والآمال المؤجلة.
وتنتمي رواية “سطور من دفتر أحوال شارع 9” إلى هذا النوع الثاني؛ فهي لا تبحث عن البطولة الخارقة، بل تفتش عن الإنسان العادي الذي يستيقظ كل صباح ليواجه معركة الحياة بصمت.
يأتي عنوان الرواية محملاً بإيحاءات عديدة.
فـ«دفتر الأحوال» يذكّر بدفاتر السجلات الرسمية التي تُقيَّد فيها الوقائع والأحداث اليومية، وكأن الكاتبة تسجل محاضر الحياة نفسها.
أما «شارع 9» فلا يبدو مجرد مكان جغرافي، بل يتحول إلى رمز للمجتمع بأكمله، حيث تتقاطع المصائر وتتجاور الأحلام والانكسارات.
إنه شارع يمكن أن يكون في أي مدينة، وقد يكون في الحقيقة صورة للوطن كله.
تدخل الرواية إلى عالم الموظفين الحكوميين الذين يقضون أعمارهم بين الملفات والأختام والمكاتبات الرسمية.
هؤلاء ليسوا أبطالاً تقليديين، لكنهم يمثلون شريحة واسعة من المجتمع.
تُظهر الكاتبة كيف يتحول الروتين اليومي إلى عبء ثقيل، وكيف تصبح الأحلام البسيطة ــ بيت أفضل، أو تعليم الأبناء، أو حياة أكثر استقراراً ــ أهدافاً بعيدة المنال في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
تستند الرواية إلى الواقعية الاجتماعية، فتقدم صورة حية لعلاقات العمل وما يعتريها من تنافس وصراعات ومجاملات ومواقف إنسانية مؤثرة.
ولا تكتفي برصد الواقع، بل تحاول الكشف عن جذور الأزمات التي يعاني منها الأفراد.
فالفساد الإداري لا يظهر بوصفه حدثاً استثنائياً، بل باعتباره جزءاً من منظومة تؤثر في حياة الجميع، بينما يتحول الروتين إلى قوة خفية تستهلك الوقت والطاقة والطموح.
نجحت الكاتبة في رسم شخصيات قريبة من الواقع، بحيث يشعر القارئ أنه يعرفها مسبقاً.
فهناك الموظف الذي يشيخ قبل أوانه تحت وطأة المسؤوليات، والمرأة العاملة التي تخوض معركتين في آن واحد؛ معركة الوظيفة ومعركة البيت، والشباب الذين يصطدمون بواقع لا يشبه أحلامهم.
ولا تعتمد الشخصيات على البطولة الفردية، بل تستمد قوتها من صدقها الإنساني.
يتحرك الزمن بين الحاضر والاسترجاع، فتتكشف خلفيات الشخصيات تدريجياً، ويصبح الماضي مفتاحاً لفهم الحاضر.
وهذه التقنية تمنح العمل عمقاً نفسياً، وتجعل القارئ أكثر قرباً من أبطاله.
تميل اللغة إلى البساطة والوضوح، لكنها لا تخلو من لمسات أدبية تعكس حساسية الكاتبة تجاه التفاصيل اليومية.
فالمكاتب القديمة، والأوراق المتراكمة، وأصوات الموظفين، والممرات الطويلة، كلها تتحول إلى عناصر فنية تساهم في بناء الجو العام للرواية.
تكمن قيمة سطور من دفتر أحوال شارع 9 في قدرتها على تحويل الحياة اليومية العادية إلى نص أدبي نابض بالحياة.
إنها رواية عن الإنسان البسيط الذي لا تذكره الأخبار ولا تصنعه الأساطير، لكنه يحمل على كتفيه عبء المجتمع كله.
ومن خلال هذا العالم الهادئ ظاهرياً، تطرح الكاتبة أسئلة عميقة عن العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، ومعنى الحلم في زمن تتزايد فيه الضغوط والتحديات.
لذلك يمكن اعتبار الرواية وثيقة أدبية واجتماعية ترصد مرحلة مهمة من حياة الطبقة الوسطى والموظفين، وتمنح أصواتهم مساحة للتعبير عن آمالهم وآلامهم بلغة صادقة ومؤثرة.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك