تنتشر كل فترة على فيسبوك وواتساب صورة بسيطة جداً، ثلاثة أسماء داخل دائرة: سام، حام، يافث، وتحتها جملة واحدة توحي باليقين المطلق: “كل البشر اليوم من نسلهم”.
الصورة مريحة لأنها تعطي إجابة قصيرة لسؤال كبير: من نحن؟ ومن أين جئنا؟ لكن هل هذه الرواية تطابق الواقع التاريخي والبيولوجي؟ وهل يمكن اختزال تاريخ البشرية الممتد لمئات آلاف السنين في ثلاثة بيوت فقط؟لنبدأ من حيث بدأت القصة.
في التوراة وسفر التكوين، ثم في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي، يرد أن نوح عليه السلام نجا من الطوفان ومعه من آمن، وأن ذريته هم الذين عمروا الأرض من جديد.
القرآن الكريم يشير إلى ذلك بإيجاز بالغ: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.
الآية لا تذكر أسماء ولا تفاصيل ولا تقسيماً للأمم.
التفصيل جاء لاحقاً في كتب المفسرين والمؤرخين الذين حاولوا فهم خريطة العالم الذي كانوا يعرفونه.
فقالوا: سام أبو العرب وبني إسرائيل والآشوريين، وحام أبو المصريين والنوبيين وبعض أهل أفريقيا، ويافث أبو أهل الشمال من الترك والروم والسلاف.
لو توقفنا هنا وسألنا سؤالاً بسيطاً: لماذا هذا التقسيم بالذات؟ سنجد أن الإجابة ليست في المختبر، بل في الجغرافيا والسياسة لزمن كتابة هذه الكتب.
قبل ثلاثة آلاف سنة كان العالم القديم يدور حول الهلال الخصيب ووادي النيل والبحر المتوسط.
كانت الصراعات الأساسية على الأرض والمياه والتجارة.
وفي مجتمع زراعي وقبلي، أهم وثيقة تملكها هي “النسب”.
الأرض التي يحرثها أجدادك لا يمكن لجارك أن يأخذها لأن “جدي سبق جدك”.
وهكذا تحولت خريطة العالم إلى شجرة عائلة كبيرة.
سام سكن الشرق، وحام سكن الجنوب، ويافث سكن الشمال.
التقسيم إذن لم يكن علمياً، بل كان انعكاساً للمعرفة المتاحة آنذاك عن من يسكن أين.
لكن لهذه الرواية وظيفة أعمق من مجرد وصف.
بعد أي كارثة كبرى يحتاج الناس إلى بداية جديدة.
فكرة أن البشرية كلها خرجت من سفينة واحدة تعني أننا جميعاً أقارب، حتى لو اختلفنا في اللغة واللون.
وفي الوقت نفسه، داخل هذه العائلة الكبيرة كان لا بد من ترتيب.
ومن هنا ظهرت روايات أخرى ربطت بعض الشعوب بصفات معينة، وبعضها استخدمت لاحقاً لتبرير علاقات سلطة غير متكافئة.
أشهر مثال هو الربط بين “حام” وأفريقيا؛ ثم استخدام ذلك عبر قرون لتبرير العبودية وتجارة الرقيق بحجة “هذا قدره التاريخي”.
هنا تتحول قصة الأنساب من حكاية دينية إلى أداة في يد من يملكون السلطة لتثبيت وضع قائم.
ماذا عن العلم الحديث؟ علم الوراثة والأنثروبولوجيا يرسم صورة مختلفة تماماً، وأكثر تعقيداً وجمالاً.
جميع البشر الأحياء اليوم ينتمون إلى نوع واحد: الإنسان العاقل Homo sapiens.
والأدلة الجينية تقول إن أصلنا جميعاً من أفريقيا.
قبل حوالي 70 ألف سنة خرجت مجموعات صغيرة من شرق أفريقيا وانتشرت في آسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين.
لم يحدث ذلك في موجة واحدة ولا من ثلاثة إخوة.
حدث عبر آلاف السنين من الهجرات الصغيرة، الحروب، التجارة، المجاعات، والحب.
الأهم أن العلم لا يجد أي أثر لجين “سامي” أو “حامي” أو “يافثي”.
هذه التصنيفات لغوية وثقافية، لا بيولوجية.
يمكنك أن تتحدث العربية وتكون جيناتك خليطاً من شمال أفريقيا والجزيرة والشام.
ويمكن لأوروبي أن يحمل في جيناته أثراً من الشرق الأوسط.
البشرية ليست ثلاثة خطوط متوازية، بل هي شجرة ضخمة متشابكة الجذور والفروع.
ما نسميه “شعباً” اليوم هو في الغالب نتيجة لغة مشتركة ودين مشترك وتاريخ سياسي مشترك، وليس دماً نقياً.
وهنا يقع الخلط الشائع.
كثيرون يظنون أن هناك تعارضاً حتمياً بين الرواية الدينية والبحث العلمي.
لكنهما في الحقيقة يجيبان على سؤالين مختلفين.
الدين يسأل: ما معنى وجودنا؟ ما أصلنا الأخلاقي؟ ما الذي يجمعنا بعد كل الكوارث؟ إجابته رمزية.
تقول لنا: تذكروا أنكم خرجتم من أصل واحد، فلا يظلم بعضكم بعضاً.
العلم يسأل: كيف حدث ذلك مادياً؟ عبر كم سنة؟ بأي طريق؟ وإجابته تعتمد على الحفريات والحمض النووي.
المشكلة لا تبدأ من النص الديني نفسه، فالقرآن لم يدخل في تفاصيل تقسيم الأمم.
المشكلة تبدأ عندما نستخدم هذه القصة خارج سياقها، ونحولها إلى بطاقات هوية سياسية.
عندما نقول “هذه أرضنا لأن أبناء سام سكنوها أولاً” فنحن نستخدم التاريخ كسلاح.
وعندما نقول “هؤلاء أقل شأناً لأنهم من نسل كذا” فنحن نستخدم الأنساب لتبرير الظلم.
وعندما نرفض أي بحث علمي لأنه “يخالف الموروث” فنحن نغلق الباب أمام فهم أنفسنا.
تأمل معي الخريطة اليوم.
هل الصراع في السودان بين “ساميين” و “حاميين”؟ هل الحرب في أوكرانيا بين “يافثيين”؟ هل أزمة اللاجئين في البحر المتوسط سببها اختلاف الأجداد؟ بالطبع لا.
الصراع اليوم على من يملك النفط، ومن يملك الماء، ومن يقرر مصير الحدود؛ ومن يستفيد من الاقتصاد العالمي.
الأسماء القديمة عادت فقط لأنها سهلة.
من الأسهل أن تقول “نحن أبناء فلان” بدل أن تقول “نحن مجموعة مصالح متنافسة”.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس “هل نحن فعلاً من ثلاثة رجال؟ ” السؤال الأهم هو: لماذا نحتاج الآن إلى تصديق أننا من ثلاثة رجال؟ الإجابة غالباً ستكون: لأننا نعيش في عالم مفكك، ونبحث عن قصة بسيطة توحدنا أو تفرقنا.
القصة البسيطة مريحة، لكنها خطيرة عندما تصبح هي النظارة الوحيدة التي نرى بها العالم.
دعني أضرب مثالاً قريباً.
في جنوب السودان، بعد الانفصال، انفجرت حرب بين مكونات كانت بالأمس تقاتل معاً ضد الشمال.
هل السبب أنهم من أجداد مختلفين؟ لا.
السبب أن السلطة والمال تمركزا في يد مجموعة، وأن الجيش تحول إلى قبيلة، وأن النفط أصبح غنيمة.
الأنساب حضرت فقط كخطاب لتعبئة الناس.
نفس الشيء حدث في رواندا، ونفسه يحدث في أماكن كثيرة.
الدم القديم لا يقتل، بل خطاب اليوم هو الذي يقتل.
إذن كيف نتعامل مع هذه الرواية؟ أولاً بالاحترام.
هي جزء من تراث ديني وإنساني عظيم.
قصص الطوفان موجودة في حضارات كثيرة، من بلاد الرافدين إلى أمريكا الوسطى، لأن البشر عبر التاريخ خافوا من الماء ومن النهاية ومن البدايات الجديدة.
ثانياً بالتفريق.
نفرق بين الجانب الروحي الذي يعطينا معنى، وبين الجانب التاريخي الذي يحتاج إلى أدلة.
ثالثاً بالنقد.
نسأل دائماً: من يستفيد من هذه الرواية الآن؟ ولماذا يتم ترويجها في هذا التوقيت؟العلم لا ينفي حاجة الإنسان إلى القصة.
لكنه يذكرنا أن قصتنا الحقيقية أكبر بكثير.
قصتنا أن أجدادنا مشوا آلاف الكيلومترات سيراً على الأقدام.
أنهم تزاوجوا وتقاتلوا وتصالحوا.
أنهم اخترعوا الزراعة والكتابة والعجلة.
أن جينات الفلاح النوبي قد تجدها في رجل من أيسلندا، وأن جينات الراعي المنغولي قد تجدها في فتاة من اليمن.
هذه قصة أكثر دهشة من أي شجرة أنساب.
وبعد هذا كله، البحث عن الأصل هاجس إنساني قديم.
لكن الأوطان لا تبنى على الأجداد، بل على العقود.
لا يهم من كان جدي، بل يهم ما هي القواعد التي نتفق عليها اليوم لنعيش معاً.
هل نتقاسم الماء بعدل؟ هل يتساوى الناس أمام القانون؟ هل يحصل الطفل في القرية على مدرسة؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد مستقبلنا، وليس اسم الجد السابع عشر.
إذا أردت أن ترى الصورة كاملة، انزع نظارة “الأبناء الثلاثة” وارتد نظارة “الإنسان الواحد”.
ستكتشف أن عدونا المشترك ليس جارنا، بل الجوع والجهل والمرض والاستبداد.
وأن الحل ليس في إثبات من الأقدم، بل في بناء نظام يضمن للجميع كرامة متساوية.
قد تكون القصة الجميلة عن سام وحام ويافث تريح قلبك ليلة واحدة.
لكنها لن توفر وظيفة لابنك، ولن تحفر بئراً في قريتك، ولن توقف رصاصة.
لذلك من الأفضل أن نحتفظ بالرواية في مكانها كجزء من الذاكرة، وأن نضع العلم والعدل في مكانها كجزء من المستقبل.
لأن البشرية لم تبدأ من سفينة واحدة فقط، بل بدأت كل يوم من جديد، كلما قررنا أن نعامل بعضنا كإخوة حقيين، لا بالكلام، بل بالقانون والعمل المشترك.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك