تمكن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، حتى الآن في زيارته من إعادة صياغة تعريف العلاقات بين بغداد وواشنطن.
فخلال الأيام القليلة الماضية، أوصل الوفد العراقي في واشنطن العاصمة، عبر تحضيرات مسبقة، عدة رسائل إلى نظرائهم الأميركيين.
تضمنت تلك الرسائل ملفات الأمن، الطاقة، النفط، خارطة الطاقة الإقليمية، والاستثمار في قطاعات مختلفة.
تحدث الزيدي في الاجتماعات المفتوحة والمغلقة، وقبل المسؤولين الأميركيين، عن مسألة نزع سلاح الجماعات المسلحة.
يقول العراقيون إن هذه الجماعات كانت مفيدة في حقبة تنظيم داعش، لكن لم تعد هناك حاجة لوجودها الآن.
وفي الوقت المحدد، يجب أن ينتهي هذا الملف سواء بالرضا أو بالإكراه.
يريد العراق أن يخبر أميركا بأنه يمتلك الآن القدرة على حماية أراضيه وتوفير بنية تحتية مستقرة للشركات الأميركية.
ومع إنهاء مهام التحالف الدولي، يستعد العراق لإقامة علاقات أمنية ثنائية مع الدول.
شملت المباحثات أيضاً مسألة الدفاع الجوي والتنسيق بين أربيل وبغداد.
وقد أُجريت كافة الاستعدادات لتقوم أميركا، بعد إنهاء ملف الجماعات المسلحة، بتوفير منظومات دفاع جوي لأكثر من 20 موقعاً في إقليم كوردستان والعراق.
لكن هذا الملف مرتبط مرة أخرى بنجاح العراق في مسألة نزع سلاح الفصائل.
من جانب آخر، عمل العراقيون بشكل مكثف مع كبرى شركات الطاقة مثل" شيفرون".
ورغم أن عقود وزارة النفط العراقية ليست بالصيغة التي يفضلها الأميركيون تماماً (من حيث المشاركة في الإنتاج)، إلا أن العراق أبدى مرونة تتيح للشركات الأميركية أن تكون شريكة في الأرباح.
على سبيل المثال، طلبت شيفرون أن تكون نسبة الأرباح 85% للحكومة العراقية و15% للشركة نفسها، في حين أن وزارة النفط تمنح الشركات في أقصى الحالات 10% من الأرباح، ولكن بالنسبة لعقد شيفرون وشركات النفط الأخرى، يبدو العراق مستعداً لإبداء المرونة لجذب اهتمام الشركات.
كانت خارطة الطاقة الإقليمية في المستقبل في قلب المباحثات العراقية الأميركية.
ويعمل توم باراك، السفير الأميركي لدى تركيا ومبعوث ترمب إلى دمشق وبغداد، بشكل مكثف على إنشاء ممرين لنقل الطاقة والنفط إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا والأردن.
وهذا المشروع، في حال تنفيذه، سيجعل العراق أقرب بعدة خطوات إلى دول الخليج.
بالنسبة لأميركا، سيؤدي ذلك إلى إضعاف دور مضيق هرمز، ويوفر فرصة لسوريا لتصبح مركزاً للطاقة في الخارطة الجديدة للشرق الأوسط.
موضوع" أوبك" كان محوراً آخر تم تداوله بكثرة في هذه الزيارة.
ووفقاً لمسؤولين مطلعين على المباحثات، طُرح احتمال مغادرة العراق لمنظمة أوبك إذا لم يتم زيادة حصة مبيعات العراق المسموح بها.
خطوة كهذه ستحدث تغييراً عميقاً في سوق النفط العالمي؛ فالعراق بصفته ثاني أكبر منتج في أوبك، سيؤدي خروجه إلى إضعاف وحدة المنظمة وقدرتها على التحكم في المعروض.
ومن المقرر أن يوقع الزيدي خلال هذه الزيارة أكثر من 15 اتفاقية مع شركات أميركية رائدة في قطاعات الطاقة، التكنولوجيا، الرعاية الصحية، والزراعة.
ومع رحلته إلى هيوستن، ستتضح أكثر معالم المفاوضات المهمة مع شركات مثل شيفرون، إكسون موبيل، هاليبرتون، " KBR"، وإكسليريت إنرجي.
تمثل التكنولوجيا ركيزة أخرى للشراكة الجديدة بين بغداد وواشنطن؛ حيث تسعى بغداد لجذب خدمات" ستارلينك" إلى العراق وتوسيع تعاونها مع شركة" سيسكو"، وتوقيع اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا الأميركية لتحديث البنية التحتية الرقمية والاتصالات والخدمات الحكومية.
كما تظهر اتفاقيات الرعاية الصحية مع المؤسسات الأميركية الرائدة، والشراكات في الزراعة والإنتاج، أن العلاقة ستتوسع إلى آفاق أبعد بكثير من النفط.
رسالة واشنطن لجهود العراق واضحة: الاستثمار يأتي بعد الاستقرار.
الشركات الأميركية مستعدة لاستثمار مليارات الدولارات، ولكن فقط عندما يتمكن العراق من ضمان الأمن، وتنفيذ العقود، ومكافحة الفساد، والتأكد من أن الدولة وحدها هي من تسيطر على السلاح.
إذا تم تنفيذ هذه الوعود، فستكون زيارة الزيدي بمثابة البداية لأهم تحول في العلاقات بين البلدين، وستتوسع الشراكات بين واشنطن وبغداد.
لكن التحديات الحقيقية أمام الزيدي ستبدأ بعد عودته إلى بغداد، حيث ستكون قدرته على الوفاء بهذه الوعود هي الفيصل في استمرارية هذه العلاقة التي بُنيت في الفترة الماضية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك