في خضم الحرب الإعلامية الدائرة والضربات العسكرية الشرسة المتتالية التي تشنها إدارة الرئيس ترامب على إيران، يبدو المشهد للوهلة الأولى كأنه تطبيق حرفي لسياسة “حافة الهاوية” والوعيد بإعادة طهران إلى “العصور الحجرية”.
هدد ترامب بضرب البنى التحتية، ولوّح باستهداف المنشآت النووية غير آبهٍ بالعواقب البيئية الكارثية، ملوّحاً بعزمه على نزع ورقة السيطرة على مضيق هرمز التاريخية من يد طهران، ودفعها للاستسلام.
لكن، وخلف هذا الضجيج العسكري والتصريحات المتضاربة التي تعمّد ترامب إطلاقها لإرباك حسابات الخصوم والتعمية على خطوته التالية، برز تصريح لافت وغامض مرّ عليه الكثير من المحللين مرور الكرام، لكنه يمثل في تقديري “شفرة فك الرموز” للحرب برمتها: أمر ترامب الصارم لجيشه “بعدم ضرب آبار النفط”.
لماذا يحمي ترامب آبار النفط الإيراني بينما يستهدف سحق قدراتها العسكرية وتحييد منشآتها النووية، وحتى بنيتها التحتية من جسور ومحطات طاقة، بل وحتى موانئ تصدير النفط؟هذا السؤال يعيدنا مباشرة إلى جوهر الاستراتيجية الأمريكية التوسعية التي تبلورت ملامحها بوضوح منذ مارس 2025؛ فالحرب لم تكن يوماً لنشر الديمقراطية أو حتّى لكبح الجماح النووي الإيراني حمايةً لإسرائيل.
إن الهدف الحقيقي، الخفي والمعلن في آنٍ واحد، هو “النفط”؛ إنه يريد النفط الراقد تحت الأرض – يريد السيطرة المطلقة على منابع الطاقة وطرق إمدادها وممراتها الاستراتيجية حول العالم لمواجهة الصعود المتنامي لمنظومة “بريكس” المنافسة.
ترامب يريد إيران مستسلمة ومجردة من أوراق قوتها العسكرية والجغرافية (كمضيق هرمز)، ولكنه يريد بقاء آبارها النفطية سليمة تماماً.
فالآبار والاحتياطيات النفطية ليست هدفاً للتدمير، بل هي “الغنائم” والجوائز الكبرى التي تسعى الإمبراطورية الأمريكية لوضع يدها عليها وإخضاعها لسيطرتها المباشرة، لتتحكم عبرها بأسواق الطاقة العالمية وتفرض شروطها على الخصوم والحلفاء معاً.
إن قرار استثناء آبار النفط من الاستهداف لا يعكس “إنسانية” أو رغبة في تجنب التصعيد أو التلوث، بل يفضح بوضوح المذهب النفعي لترامب (Transactional approach)؛ فالأرض المحروقة مسموح بها في كل مكان إلا في المواقع التي تدر ذهباً أسوداً ينتظر الفاتح الجديد وضعه في سلة حساباته الاستراتيجية.
إنها حرب الهيمنة على الطاقة والممرات، وما عدا ذلك ليس سوى تفاصيل في سردية التمويه الغربية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك