لم يكن قرار إسرائيل بمنع زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، إلى الأراضي الفلسطينية كافيًا لإجهاض الرسالة السياسية التي حملتها جولته الخارجية الأولى منذ توليه منصبه، فبينما تعطل المسار، لم يتعطل الهدف، إذ انتقل اللقاء مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى العاصمة الأردنية عمان، لتؤكد الجامعة العربية أن السيطرة الإسرائيلية على الجغرافيا لا ينبغي أن تتحول إلى قدرة على تعطيل الحضور العربي أو تقويض مركزية القضية الفلسطينية، وهو ما يعكس نمطا يمكن وصفه بـ" الدبلوماسية الوظيفية"، التي تقوم على ثبات الهدف ومرونة الوسيلة، وتضع إنجاز المهمة السياسية فوق الاعتبارات الإجرائية والمكانية.
الدبلوماسية الوظيفية وثبات الهدف ومرونة الوسيلةولا تعني" الدبلوماسية الوظيفية" هنا التقليل من أهمية المكان أو رمزيته، بقدر ما تشير إلى قدرة المؤسسة الدبلوماسية على حماية الهدف السياسي عندما تتعرض أدواته للتعطيل، فالزيارة إلى الأراضي الفلسطينية كانت تحمل دلالة واضحة على أولوية القضية ومركزيتها، إلا أن منعها لم يؤد إلى إسقاط الرسالة، وإنما فرض البحث عن مسار بديل يحافظ عليها، وهو ما تحقق بعقد اللقاء في عمّان.
ويكتسب هذا التحرك أهميته من كونه جاء في مستهل ولاية نبيل فهمي على رأس الجامعة العربية، بما يجعل طريقة إدارة الموقف جزءا من الصورة التي يسعى إلى ترسيخها بشأن دور المؤسسة العربية خلال المرحلة المقبلة، فبدلا من الاكتفاء بإدانة القرار الإسرائيلي أو تحويل الواقعة إلى أزمة بروتوكولية، جرى الحفاظ على جوهر الزيارة، والإبقاء على التواصل المباشر مع القيادة الفلسطينية، بما يعكس توجها نحو دبلوماسية أكثر ارتباطا بالنتائج منها بالشكل.
ومن هذا المنظور، لم يكن نجاح التحرك مرهونا بالوصول إلى رام الله، بقدر ما ارتبط بعدم السماح لإسرائيل بتحويل سيطرتها على المعابر إلى قدرة على تعطيل الحضور العربي السياسي، فالاحتلال استطاع تغيير مسار الزيارة، لكنه لم ينجح في تغيير مضمونها، كما لم يتمكن من إزاحة القضية الفلسطينية عن موقعها في صدارة أولويات الجامعة العربية.
ولعل ما منح هذا التحرك زخمه السياسي أن قرار المنع الإسرائيلي لم يكن مجرد إجراء يتعلق بتنظيم الزيارة، بقدر ما حمل رسالة أوسع، مفادها أن الاحتلال يمتلك القدرة على التحكم في مسارات الحركة الدبلوماسية داخل الأراضي الفلسطينية، ومن ثم التأثير في طبيعة الحضور العربي ذاته.
ويحمل اختيار عمّان في حد ذاته دلالة لا تقل أهمية عن اللقاء نفسه.
فالعاصمة الأردنية لم تكن بديلًا عن الأراضي الفلسطينية، ولم تنتقص من رمزية الزيارة إليها، وإنما أكدت أن المجال العربي يظل قادرا على احتضان القضية الفلسطينية كلما حاول الاحتلال تقييد حركتها، ومن ثم، تحولت عمّان من محطة بديلة إلى مساحة حافظت على استمرارية الفعل الدبلوماسي العربي، دون أن تسمح لقرار المنع الإسرائيلي بأن يتحول إلى تعطيل للرسالة السياسية التي حملتها الزيارة.
إلا أن استجابة الجامعة العربية نقلت المواجهة من سؤال المكان إلى سؤال الوظيفة، فلم يعد جوهر الحدث هو عدم الوصول إلى رام الله، وإنما نجاح اللقاء في تحقيق الغاية السياسية التي خرج من أجلها، وهو ما أفرغ قرار المنع من جزء كبير من أثره السياسي، بما يجعل طريقة إدارة هذا الاختبار جزءا من التصور الذي يسعى نبيل فهمي إلى ترسيخه بشأن دور الجامعة العربية خلال المرحلة المقبلة.
وإذا كانت هذه الواقعة تمثل الاختبار الأول للأمين العام الجديد، فإنها تكشف في الوقت نفسه عن ملامح أسلوب قد يميز أداء الجامعة العربية خلال المرحلة المقبلة، يقوم على التعامل مع القيود باعتبارها معطيات يجب الالتفاف عليها، لا مبررات لتعطيل الحركة السياسية.
ففي بيئة دولية تتزايد فيها القيود على الحركة الدبلوماسية، قد لا تكون المؤسسة الأكثر تأثيرًا هي تلك التي لا تواجه العوائق، وإنما تلك التي تنجح في تحويلها إلى مسارات بديلة تحقق الأهداف ذاتها.
وربما كانت هذه هي الرسالة الأولى التي أراد نبيل فهمي أن يبعث بها من جولته الخارجية الأولى، حتى وإن لم تبدأ من المكان الذي كان مخططا له.
وهنا يمكن القول بأن إسرائيل قد تكون نجحت في تغيير خط سير الزيارة، لكنها لم تنجح في تغيير مسارها السياسي، فحين تعجز القيود عن تعطيل الرسالة، تتحول من أداة للمنع إلى اختبار لمرونة الدبلوماسية، وهو ما يمثل الدرس الأبرز الذي قدمته الجولة الخارجية الأولى لامين عام جامعة الدول العربية الجديد، بأن نجاح الدبلوماسية لا يقاس دائما بالوصول إلى الوجهة المقصودة، وإنما بالحفاظ على الغاية التي انطلقت من أجلها.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك