لم تكُن بريطانيا في حاجة إلى تذكير جديد بهشاشة الحدود الفاصلة بين الخصومة السياسية والعنف الدموي، لكن العثور على جثة الوزيرة السابقة آن ويدكومب داخل منزلها الريفي يوم التاسع من يوليو (تموز) الجاري أعاد هذا التذكير بأقسى صوره.
فالمرأة التي أمضت ربع قرن تحت قبة مجلس العموم، وتحولت خلال سنواتها الأخيرة إلى واحدة من أبرز وجوه حزب" ريفورم" البريطاني، قتلت في عقر دارها بمنطقة دارتمور، لتتحول القضية خلال أيام من تحقيق جنائي محلي إلى ملف إرهاب تقوده الشرطة، وسط فرضية باتت تتصدر النقاش العام، هل عاد التطرف اليساري ليضرب في قلب الحياة السياسية البريطانية؟بدأت القضية عندما تخلفت ويدكومب البالغة من العمر 78 سنة عن مقابلة تلفزيونية كانت مقررة لها، ليعثر عليها لاحقاً جثة هامدة في منزلها، مصابة بجروح خطرة، فيما رجحت الشرطة أن الجريمة وقعت قبل نحو 24 ساعة من اكتشافها.
وسرعان ما أوقفت السلطات رجلاً أبيض يبلغ 28 سنة في مدينة روذرهام شمال إنجلترا، للاشتباه في ارتكابه جريمة القتل، قبل أن تتسلم شرطة مكافحة الإرهاب زمام التحقيق، وتضيف إلى لائحة الاشتباه تهمة ارتكاب أعمال إرهابية أو التحضير لها أو التحريض عليها.
اللافت في مسار التحقيق أن شرطة" ديفون وكورنوول" أصرت في بياناتها الأولى على عدم وجود ما يشير إلى دوافع سياسية أو صلة بالإرهاب، مما قابله حزب" ريفورم" بتشكيك علني وصل إلى حد اتهام الشرطة بممارسة التضليل، قبل أن تنقلب الصورة مع إعلان مساعد المفوض لورانس تايلور، رئيس جهاز شرطة مكافحة الإرهاب، أن الهجوم على ويدكومب كان موجهاً ومستهدفاً بوضوح، وأن المحققين يدرسون الآن ما إذا كان التطرف اليساري أو أيديولوجيا سياسية أخرى وراء الجريمة.
وتشير التسريبات الصحافية إلى أن المحققين عثروا داخل منزل المشتبه فيه على أدبيات شيوعية ومواد ذات طابع سياسي، وأنهم يفحصون أجهزة رقمية صودرت من المنزل لتحديد حجم التخطيط الذي سبق الهجوم، والأهم من ذلك ما إذا كان الرجل رصد سياسيين آخرين من" ريفورم" تمهيداً لاستهدافهم ضمن ما وصفته تقارير بمخطط يساري متطرف، ومع أن السلطات تشدد على أن الدافع لم يحسم بعد وأن التحقيق في بداياته، فإن مجرد طرح فرضية الإرهاب اليساري رسمياً يمثل تحولاً نوعياً في بلد اعتاد أن يتركز فيه الحديث عن التطرف العنيف على الإسلاموية المتشددة واليمين المتطرف.
وكشفت وزيرة الداخلية شبانة محمود أمام مجلس العموم عن أن المشتبه فيه لم يكُن معروفاً لدى برنامج" بريفنت" الحكومي لمكافحة التطرف، وهو اعتراف يفتح بدوره نقاشاً موازياً حول قدرة أدوات الرصد المبكر على التقاط إشارات التطرف اليساري أصلاً، بعدما صممت في معظمها لملاحقة تهديدات من طبيعة مختلفة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)في خضم هذه الأجواء، خرج زعيم" ريفورم" نايجل فاراج ليكشف عن أنه يتلقى نحو 300 تهديد شهرياً، وأن إجراءات حمايته عُززت بعد مقتل ويدكومب، فيما روى أن رئيس الوزراء المنتهية ولايته كير ستارمر أبلغه في البداية بأن الجريمة مجرد عملية سطو فاشلة، وهي رواية رفضها فاراج جملة وتفصيلاً، قائلاً إن اللص لا يوقف سيارته في ممر المنزل ويدخل إليه مباشرة، مؤكداً أنه لا يساوره شك في أن الجريمة قتل مع سبق الإصرار.
ولم يكتفِ الحزب بذلك، إذ اتهم القيادي فيه ضياء يوسف شرطة" ديفون وكورنوول" باستجابة غير كافية للجريمة، وتحدث عن خوف عارم بين نواب الحزب، مطالباً برفع موازنة الحماية الإضافية للسياسيين من 4 ملايين جنيه استرليني إلى ما قد يصل إلى مئة مليون، وتوسيعها لتشمل أعضاء المجالس المحلية وموظفي النواب.
أما المتحدث باسم الحزب لشؤون الخزانة روبرت جينريك، فانتقد قرار السلطات خفض مستوى حماية فاراج بصورة كبيرة بعيد انتخابه نائباً، معتبراً أنه ما كان ينبغي أن ينتظر البلد مقتل ويدكومب حتى يحصل زعيم الحزب على اجتماع مع اللجنة المختصة في وزارة الداخلية.
وما يضاعف من ثقل الجريمة أنها لا تقف وحدها في السجل البريطاني الحديث، إذ اغتيلت النائبة" العمالية" جو كوكس عام 2016 على يد متطرف يميني خلال حملة استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، ثم قتل النائب" المحافظ" ديفيد أميس طعناً عام 2021 على يد متشدد إسلامي أثناء لقائه ناخبيه.
واليوم، إذا ثبتت فرضية الدافع اليساري المتطرف في مقتل ويدكومب، فتكون بريطانيا شهدت خلال عقد ثلاث جرائم اغتيال سياسي من ثلاث خلفيات أيديولوجية مختلفة، مما يعني أن العنف السياسي لم يعُد حكراً على تيار بعينه، بل تحول إلى ظاهرة عابرة للأيديولوجيات تتغذى من مناخ الاستقطاب العام.
وتجد وزارة الداخلية نفسها اليوم في قلب العاصفة، فهي المسؤولة عن حماية الشخصيات العامة عبر اللجنة التنفيذية الملكية لحماية كبار الشخصيات المعروفة اختصاراً بـ" رافيك"، وسارعت محمود إلى عرض اجتماع بين فاراج ورئيس هذه اللجنة بعد الجريمة، غير أن السؤال الذي يؤرق الوزارة أعمق من ترتيبات الحماية الفردية، إذ يتصل بمنطق المنظومة كلها، فهي مصممة لحماية النواب الحاليين وكبار المسؤولين، بينما أثبتت جريمة دارتمور أن السياسيين السابقين، وقد فقدوا أية حماية رسمية مع احتفاظهم بحضور إعلامي وجماهيري واسع، باتوا الحلقة الأضعف والهدف الأسهل.
كذلك، تحوم علامات استفهام حول مركز تقييم التهديدات الموجهة ضد الشخصيات العامة المعروف بـ" أف تي أي سي"، بعدما رفض رئيس" مكافحة الإرهاب" تأكيد ما إذا كان المشتبه فيه معروفاً لديه أو نفيه، وهو صمت يغذي الشكوك حول وجود ثغرات في شبكة الرصد التي يفترض أن تلتقط المهووسين بالشخصيات العامة قبل أن ينتقلوا إلى الفعل.
والتقط رئيس الوزراء المرتقب آندي بيرنهام هذا المزاج القلق حين دعا إلى مراجعة جدية لأمن النواب معلناً استعداده لقيادتها، في إشارة إلى أن الملف سيكون من أولى القضايا على طاولة الحكومة المقبلة.
والمراجعة المنتظرة لن تقتصر على أرقام الموازنات، بل ستضطر إلى الإجابة عن أسئلة بنيوية، هل تمدد الحماية إلى السياسيين السابقين والنواب وأعضاء البلديات؟ وكيف يوازن النظام بين أمن الممثلين المنتخبين وجوهر الديمقراطية القائم على اللقاء المباشر بين النائب وناخبيه في القاعات المفتوحة والأسواق والكنائس؟في المحصلة، وبغض النظر عما ستنتهي إليه التحقيقات في دوافع قاتل ويدكومب، فإن القضية كشفت عن حقيقة يصعب تجاهلها، لقد دخل الحديث عن اليسار المتطرف بوصفه مصدر تهديد عنيف إلى صلب النقاش الأمني البريطاني للمرة الأولى منذ عقود، بعدما ظل مصنفاً تهديداً هامشياً مقارنة بنظيريه الإسلاموي واليميني.
وسواء تأكدت الفرضية أو تبددت، فإن مناخ الاستقطاب الذي يجعل من صعود حزب" ريفورم" قضية وجودية لدى خصومه، ومن خطاب اليسار الراديكالي خطراً داهماً لدى اليمين، يوفر تربة خصبة لتحويل الخلاف السياسي إلى عداء شخصي، والعداء إلى عنف.
وتلك معادلة تدركها وزارة الداخلية جيداً، وتعرف أن كلفة الفشل في تفكيكها لن تقاس بالأموال المرصودة للحماية، بل بأرواح من المحتمل أن تُضاف إلى أسماء كوكس وأميس وويدكومب في سجل لم يعُد أحد يجرؤ على القول إنه أغلق.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك