يشغل مشروع قانون الأسرة، والتحول إلى الدعم النقدي، ومستقبل التشريعات الاقتصادية، وإصلاح التعليم الجامعي، صدارة الملفات المطروحة على الساحة التشريعية، بالتزامن مع استعداد مجلس النواب لدور انعقاد جديد يحمل على عاتقه عددًا من القوانين المهمة.
وفي هذا الحوار، يتحدث الدكتور صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، عن رؤيته لأولويات البرلمان، وأسباب مطالبته بعدم التسرع في إصدار قانون الأسرة، وموقفه من الجدل الدائر حول سن الحضانة والاستضافة، كما يكشف فلسفته بشأن استقلال القضاء، وإصلاح التعليم الجامعي، والتشريعات الاقتصادية، ومستقبل منظومة الدعم.
وتفاصيل كثيرة وإجابات على أسئلة وتساؤلات ضاغطة في نص الحوار التاليبداية.
كيف تقيم أداء مجلس النواب خلال دور الانعقاد الحالي، وهل ترى أنه نجح في التعامل مع القوانين الكبرى المطروحة على أجندته؟الأداء يتسم بالجودة، وهناك نماذج جيدة جدًا داخل البرلمان، كما أن حالة الاصطفاف الوطني بين جميع أعضاء المجلس بطريقة تثير الإعجاب وتدعو إلى الفخر، انعكست على مناقشة العديد من التشريعات المهمة، وهو أمر يحسب للمجلس.
مع اقتراب انتهاء دور الانعقاد.
ما أبرز مشروعات القوانين التي لا تزال تنتظر المناقشة؟هناك مجموعة من مشروعات القوانين المدرجة على الأجندة التشريعية للحكومة، من بينها تعديلات قانون رقم 7 لسنة 2000 بشأن لجان التوفيق في بعض المنازعات، وهو مشروع مدرج بالفعل لكنه لم يحدد له موعد للمناقشة، إلى جانب مشروع قانون الأسرة للمسلمين والمسيحيين، وهو من أهم التشريعات المنتظرة.
هل يحتاج مشروع قانون الأسرة إلى مزيد من الوقت قبل بدء مناقشته برلمانيا؟لا أؤيد أن يبدأ البرلمأن في مناقشة مشروع قانون الأسرة خلال الأيام القليلة المتبقية من دور الانعقاد، لأن هذا القانون يخص كل بيت في المجتمع المصري وكل أسرة، ويحتل أهمية محورية تكاد تتساوى مع قانون الإجراءات الجنائية، وبالتالي يحتاج إلى وقت كافٍ للمناقشة والإقرار.
كما أن عنصر الزمن يقلل حالة" الضجيج" المثارة حول مشروع القانون، لأن هناك افتئاتًا على القانون وعدم إدراك حقيقي لمضمونه، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض البرامج التلفزيونية، وهو ما أدى إلى حالة من الاستنفار قبل قراءة النصوص.
من واقع خبرتكم التشريعية.
ما الضمانات التي تكفل خروج قانون الأسرة بصورة تحقق التوافق المجتمعي؟أي قانون حتى ينجح لا بد أن تسبقه جلسات استماع حقيقية، يدعى إليها جميع المتخصصين لإبداء آرائهم، وأرى ضرورة أخذ رأي مجلس الشيوخ، وكذلك المؤسسات الدينية، وأقصد بها هيئة كبار العلماء، والمجلس الأعلى للأزهر، ودار الإفتاء، ومجمع البحوث الإسلامية، إلى جانب أساتذة الشريعة الإسلامية بالأزهر وكليات الحقوق.
أحد أكثر المواد إثارة للجدل هو سن الحضانة.
والبعض يرى أن مشروع القانون سيعود بالكامل إلى المذهب الحنفي.
كيف ترد على ذلك؟هذا الكلام غير دقيق، قيل إننا سنطبق رأي الإمام أبي حنيفة النعمان الذي يحدد سن الحضانة بسبع أو تسع سنوات، لكن من قال إننا سنطبق المذهب الحنفي كله؟ المذهب الحنفي نفسه لا يقتصر على رأي الإمام أبي حنيفة، فأشهر تلاميذه، الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن، كانت لهما آراء تختلف مع الإمام.
نحن في الأساس نطبق القانون، بشرط ألا يخالف الشريعة الإسلامية، فإذا وجد نص قانوني يطبق القاضي هذا النص، أما إذا لم يجد حكمًا للواقعة المعروضة أمامه، فإنه يرجع إلى أرجح الأقوال في مذهب الإمام أبي حنيفة، وليس إلى رأي واحد، لأن المذهب الواحد يضم آراء متعددة.
من وجهة نظرك.
ما المعيار الذي يجب أن يحكم المشرع عند حسم الخلاف حول الحضانة؟المحرك الأساسي يجب أن يكون ما اتفق عليه الفقه الإسلامي، وهو رعاية مصلحة الصغير، فهي المعيار الأول الذي يجب أن تدور حوله جميع الأحكام.
، ولا يوجد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية نص يحدد سن الحضانة، وما يقال خلاف ذلك غير صحيح.
الموجود هو اجتهادات لبعض الفقهاء، مثل الإمام أحمد بن حنبل وغيره، الذين ربطوا الأمر بقدرة الطفل على الاعتماد على نفسه، ولذلك أرى أن سن الخامسة عشرة مناسب جدًا للحضانة.
إذن.
ما الضابط الدستوري الذي يحكم أي نص يتعلق بالأحوال الشخصية؟الضابط واضح، وهو أن النص القانوني يجب ألا يناقض نصًا قطعي الثبوت وقطعي الدلالة في الشريعة الإسلامية، وإلا أصبح غير دستوري، أما المسائل الاجتهادية فهي محل تنظيم تشريعي يحقق المصلحة العامة.
أشرت إلى وجود ثغرة تتعلق بالمادة الخاصة بسفر الحاضن بالطفل.
فما هي؟هناك نص يمنع الحاضن من مغادرة المحافظة الموجودة بها إقامة من له حق الرؤية، حتى لا تتعذر الرؤية، لكن ماذا لو كان الأب الحاضن أو الأم الحاضنة يقيم بالخارج، أو أراد السفر خارج الدولة؟لا يوجد نص صريح في قانون الأسرة ينظم هذه الحالة، وبالتالي مع غياب النص تدخل المسألة في إطار الإباحة، ومن الضروري وجود نص صريح في هذه الحالة، لأن قواعد المنع والحظر والتحريم كلها تحتاج إلى نص، والأصل في الأمور الإباحة.
وإذا منع القانون الحاضن من مغادرة المحافظة فقط، فهذا يعني أن ما عدا ذلك مباح، وبالتالي يستطيع السفر إلى الخارج، ولذلك يجب غلق هذه الثغرة بنص صريح إذا كان المشرع يريد المنع.
هل تتوقع أن ينجح قانون الأسرة في الحد من نسب الطلاق؟القوانين لا تربي الناس ولا تعلمهم الأدب، لكنها تنظم الحقوق والواجبات.
أنا أنادي بأن يكون للزوجة نصيب من ثروة الزوج التي شاركت في تكوينها أثناء الحياة الزوجية، وفق ضوابط يحددها القانون.
الحياة الزوجية تبدأ بالفرح، ثم قد تتحول إلى خصومة وعداء، بينما جميع الأديان تتحدث عن الرحمة وحق الأبناء، ولذلك يجب أن يحمي القانون الصغير، لأنه في احتياج إلى أمه، وهذا لا يعد انحيازًا للمرأة، وإنما انحيازًا لمصلحة الطفل.
وما موقفك من نظام الاستضافة؟أنا ضد النص عليه في القانون، إذا كان الأب يؤدي واجباته تجاه أبنائه بعد الطلاق، فالأم ستسمح له برؤية الأطفال واستضافتهم بشكل طبيعي، أما إذا لم يكن يؤدي واجباته، فقد تتحول الاستضافة إلى وسيلة للتأثير على الأطفال ضد الأم، وهو ما ينعكس سلبًا على تكوينهم النفسي، لذلك أرى أن مصلحة الطفل قد تتعارض مع الاستضافة في كثير من الحالات، سواء كان الطفل مع الأب أو مع الأم.
هناك من يرى أن قانون الأسرة منحاز إلى المرأة في بعض أحكامه.
كيف تنظر إلى هذا الطرح؟أنا لا أتعامل مع المسألة من زاوية الرجل أو المرأة، وإنما من زاوية مصلحة الأسرة والطفل.
الصغير يكون في احتياج إلى أمه في سنوات عمره الأولى، ولذلك عندما يحمي القانون الأم في هذه المرحلة فهو لا ينحاز إليها باعتبارها امرأة، وإنما يحمي الطفل في المقام الأول، والأديان جميعًا تتحدث عن الرحمة، وعن حقوق الأبناء، ولذلك يجب أن يكون الطفل هو محور التشريع.
أثار مشروع قانون الأحوال الشخصية جدلًا واسعًا بشأن ضرورة عرضه على الأزهر الشريف قبل إقراره.
من الناحية الدستورية، هل يعد أخذ رأي الأزهر التزامًا دستوريًا أم مجرد ملاءمة تشريعية؟نص الدستور على أن الأزهر الشريف هو المرجع الأساسي في العلوم الدينية، فالمادة السابعة من الدستور تنص على أن الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، وتتولى الدولة كفالة استقلاله والإنفاق عليه، كما تنظم طريقة اختيار شيخ الأزهر".
وطالما أنه المرجع الأساسي وأن عقد الزواج هو عقد ديني بامتياز، فلابد من الرجوع إلى الأزهر الشريف واستطلاع رأيه في هذا المشروع، وإلا القول بغير ذلك مفاده انه سيتم استطلاع رأي غير مختصين في الشأن الديني في ظل أن قانون الأسرة الجديد به وصية ومواريث ونسب وطلاق وكل هذه الأمور منظمة تنظيما شرعيا، ثم ان مبادئ الشريعة الإسلامية تعد المصدر الرئيسي للتشريع والذي سيقف على هذه المبادئ بالقطع هو الأزهر الشريف وليس أي جهة أخرى.
يرى أن عدم عرض القانون على الأزهر يفتح الباب للطعن بعدم دستوريته.
كيف ترد على هذا الرأي؟هذا الكلام غير صحيح من الناحية الدستورية، لو صدر قانون الأحوال الشخصية دون عرضه على الأزهر، وكان متوافقًا مع مبادئ الشريعة الإسلامية، فلا يمكن القول إنه غير دستوري لهذا السبب.
الدستور لم يجعل أخذ رأي الأزهر شرطًا لصحة القانون، وإنما جعل الأزهر المرجع الأساسي في العلوم الدينية، وهناك فرق كبير بين المرجعية العلمية وبين الإلزام الإجرائي.
ورغم ذلك يجب عرض مشروع القانون على الأزهر لأننا إذا كنا نتحدث عن المرجع الأساسي في العلوم الدينية، فمن الطبيعي أن نستأنس برأيه في قانون ينظم الزواج والطلاق والحضانة والنفقة، وهي كلها مسائل ذات طبيعة شرعية.
فالزواج في الإسلام، وكذلك في المسيحية، ليس مجرد عقد مدني، وإنما هو عقد ديني أيضًا، ولذلك فإن من الملائم سياسيًا وتشريعيًا أن يؤخذ رأي الأزهر، حتى لو لم يكن ذلك واجبًا بنص الدستور.
في المقابل، هناك حالات نص فيها الدستور صراحة على وجوب أخذ رأي بعض الجهات.
هل يمكن توضيح الفارق؟نعم، والفارق واضح جدًا، فالمادة (185) من الدستور تنص على أن الهيئات والجهات القضائية مستقلة ماليًا وإداريًا، وأن لكل منها موازنة مستقلة تناقش رقمًا واحدًا في مجلس النواب، كما تنص صراحة على أخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة لشؤونها.
هنا أخذ الرأي أصبح التزامًا دستوريًا واجبًا، لأن النص ذكره صراحة، أما المادة السابعة الخاصة بالأزهر فلم تذكر إطلاقًا عبارة" يؤخذ رأيه"، وبالتالي لا يجوز أن نضيف إلى النص الدستوري ما لم يرد فيه.
بعيدًا عن قانون الأسرة، تتجه الدولة إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم والتحول التدريجي إلى الدعم النقدي.
كيف تنظر إلى هذا التوجه؟أنا مع التحول إلى الدعم النقدي، لكن ليس بصورة مطلقة، وإنما وفق ضوابط دقيقة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
الواقع يؤكد أن نسبة كبيرة من الدعم العيني تذهب إلى غير مستحقيها، فالدولة تتحمل يوميًا أكثر من مائة مليون جنيه لدعم رغيف الخبز الذي يحصل عليه المواطن بعشرين قرشًا فقط، ومع ذلك هناك أشخاص لا يستحقون هذا الدعم ويستفيدون منه، والأمر نفسه ينطبق على السلع التموينية، لذلك، إذا استطعنا الوصول إلى قاعدة بيانات دقيقة للمستحقين، فإن الدعم النقدي سيكون أكثر عدالة وكفاءة.
وما الضمانات التي تراها ضرورية قبل تطبيق منظومة الدعم النقدي؟أولًا، يجب إجراء حصر دقيق وحقيقي للمستحقين، لأن نجاح أي منظومة دعم يرتبط بدقة تحديد الفئات الأولى بالرعاية.
أنا لا أؤيد أن يكون الاعتماد فقط على بطاقة التموين باعتبارها معيارًا للاستحقاق، لأن الواقع يكشف أن هناك أشخاصًا يشغلون مناصب كبيرة وما زالت لديهم بطاقات تموين، وبالتالي فإن مجرد وجود البطاقة لا يعني بالضرورة استحقاق الدعم.
كما يجب مقارنة التكلفة الإجمالية للدعم النقدي بتكلفة الدعم العيني، فإذا أثبتت الدراسات أن الدعم النقدي يحقق كفاءة أعلى ويوفر موارد للدولة مع ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، فحينها يكون الاتجاه إليه قرارًا صحيحًا، وإذا اتجهنا إلى الدعم النقدي، فلا بد أن تكون قيمته مرتبطة بمعدلات التضخم، لأن القوة الشرائية للنقود تتغير من عام إلى آخر.
ولذلك أرى ضرورة مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية، حتى لا يفقد المواطن المستحق جزءًا من قيمته الحقيقية نتيجة ارتفاع الأسعار.
تعتمد بعض معايير الاستبعاد على امتلاك سيارة أو وحدة سكنية.
هل تراها معايير عادلة؟في تقديري هذه ليست معايير دقيقة، لأن العدالة الاجتماعية لا تتحقق إلا بمعايير موضوعية، لأن الشخص يمتلك أصلًا ثابتًا لكنه لا يملك دخلًا يكفي احتياجاته، والعكس صحيح، ولهذا يجب أن تبنى منظومة الدعم على بيانات اقتصادية دقيقة، وليس على مؤشرات قد تكون مضللة في بعض الحالات.
امتلاك شخص لسيارة أو شقة لا يعني بالضرورة أنه ميسور الحال أو غير مستحق للدعم، فقد تكون السيارة قديمة، أو تكون الشقة موروثة، أو اشتراها صاحبها بالتقسيط وما زال يسدد أقساطها، لذلك لا يجوز أن نبني قرارات تمس ملايين المواطنين على معايير قد لا تعكس حقيقة أوضاعهم الاقتصادية.
إذن ما المعيار الأكثر عدالة من وجهة نظرك؟المعيار الموضوعي الحقيقي هو دخل الفرد، عندما أحدد مستوى دخل المواطن بصورة دقيقة، أستطيع أن أحدد ما إذا كان يستحق الدعم أم لا، أما الاعتماد على مظاهر الملكية وحدها، فقد يؤدي إلى ظلم بعض المواطنين أو منح الدعم لغير مستحقيه.
في رأيك، ما التشريعات التي ينبغي أن تتصدر أولويات مجلس النواب خلال الفترة المقبلة؟الحقيقة أن جميع التشريعات مهمة، ولا أستطيع أن أقول إن هناك قانونًا غير مهم، لكن هناك تشريعات يمكن وصفها بأنها تشريعات كبرى، لأنها تمس قطاعًا واسعًا جدًا من المواطنين.
في مقدمة هذه القوانين يأتي قانون الإجراءات الجنائية، وقانون الأسرة، والقانون المدني، والقانون التجاري.
وهناك معياران يميزان هذه التشريعات؛ الأول أنها تنطبق على شريحة كبيرة جدًا من المجتمع، والثاني أن حجمها التشريعي كبير، إذ تتضمن عددًا كبيرًا من المواد والأحكام المنظمة لعلاقات قانونية متعددة.
كيف تتشكل الأجندة التشريعية لمجلس النواب؟ وما مصادر مشروعات القوانين؟للتشريعات عدة روافد، الرافد الأول هو مشروعات القوانين التي تقدمها الحكومة، وهي ما يعرف بالأجندة التشريعية للحكومة، وهناك أيضًا مشروعات القوانين التي يتقدم بها رئيس مجلس النواب.
كما يجوز لستين نائبًا على الأقل التقدم بمشروع قانون، وفي هذه الحالة يحال مباشرة إلى اللجنة النوعية المختصة.
أما إذا تقدم نائب واحد فقط باقتراح، فإنه لا يعد مشروع قانون، وإنما يسمى" اقتراحًا بقانون"، ويحيل إلى لجنة الاقتراحات والشكاوى لدراسته قبل اتخاذ أي إجراءات أخرى.
لماذا تحظى مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة بالأولوية داخل البرلمان؟لأن الحكومة هي الجهة المسؤولة عن إدارة المرافق العامة وتنفيذ السياسات العامة للدولة، وبالتالي فإن مشروعات القوانين التي تتقدم بها غالبًا ما ترتبط باحتياجات المواطنين أو بمتطلبات تطوير أجهزة الدولة.
ولهذا تنظر إليها المؤسسة التشريعية باعتبارها مشروعات ذات أولوية، ثم توزع على اللجان النوعية كل بحسب اختصاصه، لتبدأ مرحلة الدراسة والمناقشة وإعداد التقارير قبل عرضها على الجلسة العامة.
شهدت مناقشات الموازنة العامة مطالب بالموافقة على الاعتمادات المالية المخصصة للجهات والهيئات القضائية.
لماذا تعتبر أن هذا الملف يرتبط باستقلال السلطة القضائية؟عندما ناقشنا مشروع الموازنة، طالبت بالموافقة على جميع الاعتمادات المالية التي طلبتها وزارة العدل، وكذلك الجهات والهيئات التابعة لها، ومنها دار الإفتاء، وأرى أن دعم موازنات الجهات القضائية ليس ترفًا، وإنما هو أحد الضمانات الأساسية لاستقلال السلطة القضائية، لأن الاستقلال القضائي لا يقتصر على النصوص الدستورية، وإنما يحتاج أيضًا إلى ضمانات عملية، فالقاضي يجب أن يحصل على ما يكفيه، سواء من حيث الرعاية الصحية أو الإمكانات اللازمة لأداء عمله.
ولهذا أرى أنه لا ينبغي الاقتراب من المخصصات المالية التي تطلبها الجهات والهيئات القضائية، لأن توفير هذه الاحتياجات يعزز استقلال السلطة القضائية ويضمن أداء رسالتها على الوجه الأكمل.
هل توجد مشروعات تشريعية أخرى تعمل عليها لجنة الإصلاح التشريعي خلال الفترة الحالية؟نعم، اللجنة تدرس حاليًا مشروع تعديل قانون المرافعات، ومن المقرر عقد جلسات استماع موسعة بشأنه قبل الانتهاء من الصياغة النهائية، حتى يخرج القانون معبرًا عن احتياجات الواقع العملي، ويحقق التوازن بين سرعة الفصل في المنازعات وضمانات التقاضي.
" تدريس دستور 1971 في بعض الكليات أمر غير مقبول.
وأرفض استمرار الـMCQ في كليات الحقوق.
والحبس في الجرائم الاقتصادية يطرد المستثمر"بحكم عملكم الأكاديمي الممتد لعقود، هل تعتقدون أن منظومة التعليم العالي في مصر أصبحت بحاجة إلى مراجعة شاملة؟أعتقد أن منظومة التعليم تحتاج إلى مراجعة حقيقية، وليس مجرد تعديلات شكلية.
وهناك خطوات إيجابية يجب الإشادة بها، وفي مقدمتها ما قام به المجلس الأعلى للجامعات من التراجع عن التوسع في نظام الامتحانات بنظام الاختيار من متعدد (MCQ).
وهو النظام الذي كنت من القلة التي اعترضت عليه منذ البداية، لأنني كنت أرى أنه لا يصلح لجميع التخصصات، فمثلا طبيعة الدراسة القانونية تختلف عن كثير من التخصصات الأخرى.
قد يكون هذا النظام مناسبًا لبعض الكليات، لكنه لا يصلح لكليات الحقوق، التي تقوم على التحليل القانوني، واستنباط الأحكام، وصياغة الأفكار، وإعمال العقل في تفسير النصوص.
طالب الحقوق لا يُقاس مستواه بقدرته على اختيار إجابة من بين أربع إجابات، وإنما بقدرته على التحليل والتكييف القانوني وصياغة الرأي القانوني السليم، ولذلك أرى أن تراجع المجلس الأعلى للجامعات عن هذا النظام يُحسب له، وإن كنت أرى أن بعض آثاره لا تزال موجودة، ويجب إنهاؤها بالكامل.
إلى جانب أسلوب الامتحانات، ما أبرز التعديلات التي تراها ضرورية بكليات الحقوق؟من أخطر المشكلات أن بعض المناهج لم تُحدَّث بالشكل الكافي، وليس من المعقول أن أجد كتبًا جامعية ما زالت تُدرّس أحكام دستور 1971، بينما الدولة لديها دستور جديد منذ سنوات.
العلوم القانونية بطبيعتها علوم متجددة، وترتبط بالتشريعات والأحكام القضائية والتعديلات الدستورية، ولذلك يجب أن تخضع المقررات للمراجعة والتحديث بصورة مستمرة.
في ظل التحول الرقمي الذي يشهده العالم، هل ترى أن كليات الحقوق واكبت هذا التطور؟ما زلنا بحاجة إلى خطوات أكبر، العالم يتجه اليوم إلى الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ولذلك يجب أن تنعكس هذه التحولات على اللوائح الدراسية والمناهج الجامعية، وأن نُدخل التطبيقات القانونية الحديثة، مثل العقود الإلكترونية، والقرار الإداري الإلكتروني، وغيرها من الموضوعات التي أصبحت واقعًا عمليًا، كما أن كثيرًا من اللوائح الداخلية للكليات ما زالت تتمسك بمقررات موروثة لم تعد تضيف قيمة حقيقية للطالب، وهو ما يستوجب مراجعتها وتطويرها.
ولكن أيضا نجد أن هناك رسائل ماجستير ودكتوراه كثيرة تتناول موضوعات حديثة مرتبطة بالتحول الرقمي، مثل العقود الإدارية الإلكترونية والقرار الإداري الإلكتروني، وهو ما يعكس تطور الفكر القانوني لمواكبة المستجدات الاقتصادية والتكنولوجية.
طرحتم أكثر من مرة فكرة التخصص داخل كليات الحقوق.
ما الفلسفة التي تستند إليها؟أنا أطالب بأن يبدأ التخصص اعتبارًا من السنة الثالثة في كلية الحقوق، ليس من المنطقي أن يدرس جميع الطلاب كل الفروع بنفس الدرجة من العمق، بينما سوق العمل يحتاج إلى متخصصين، ويمكن أن يتخصص طالب في القانون الدستوري، وآخر في القانون الجنائي، وثالث في القانون الاقتصادي، ورابع في القانون الدولي وهكذا، هذا النظام يمنح الطالب معرفة أعمق في المجال الذي سيعمل فيه مستقبلًا، ويرفع من كفاءة الخريجين.
هل يحتاج قانون تنظيم الجامعات نفسه إلى تدخل تشريعي لمواكبة هذه التطورات؟نعم، وأرى أن قانون تنظيم الجامعات يحتاج إلى تعديلات جذرية، هناك نصوص جيدة أثمنها، مثل النص الذي يقضي بنقل المعيد إلى وظيفة إدارية إذا لم يحصل على درجة الماجستير خلال خمس سنوات، وكذلك النص الذي يقضي بنقل المدرس المساعد إذا لم يحصل على الدكتوراه خلال المدة المقررة، هذه النصوص تحقق الانضباط الأكاديمي، وأنا أؤيدها.
ولكن المشكلة تبدأ بعد تعيين عضو هيئة التدريس في وظيفة" مدرس"، فقد يظل المدرس في درجته العلمية حتى بلوغه سن التقاعد دون أن يقدم بحثًا علميًا واحدًا أو يسعى إلى الترقية.
وهذا يتعارض مع طبيعة وظيفة الأستاذ الجامعي، لأن عضو هيئة التدريس ليس مجرد محاضر، وإنما هو باحث أيضًا، والإنتاج العلمي جزء أصيل من رسالته الأكاديمية.
إذا انتقلنا إلى ملف الاقتصاد، هل ترى أن التشريعات المصرية أصبحت مواكبة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها الدولة؟إلى حد كبير، ولكن أطالب بإعادة النظر في السياسة العقابية للجرائم الاقتصادية، لأن الاستثمار يحتاج إلى بيئة تشريعية مستقرة ومحفزة، وأنا أرى أنه في جميع القوانين ذات الطبيعة الاقتصادية يجب الاستغناء عن العقوبات السالبة للحرية، والاكتفاء بالغرامات والعقوبات المالية المناسبة، لأن المستثمر، سواء كان مصريًا أو أجنبيًا، ينظر دائمًا إلى أمرين أساسيين إذا نشأ نزاع، فهل سيتم حله أمام المحاكم أم عن طريق التحكيم؟ والثاني: إذا وقع في مخالفة، فهل سيواجه عقوبة سالبة للحرية أم عقوبة مالية؟هذه الاعتبارات تؤثر بشكل مباشر في قراره الاستثماري، ولذلك فإن التوسع في العقوبات المالية بدلًا من الحبس يعزز الثقة في البيئة الاستثمارية.
وهل تعتقد أن التوسع في الوسائل البديلة لتسوية المنازعات أصبح ضرورة تشريعية؟بالتأكيد، أنا من المؤيدين للتوسع في التوفيق والوساطة والتحكيم، لأنها تختصر الوقت والجهد، وتساعد على إنهاء المنازعات بصورة أسرع، كما أنها تتيح الوصول إلى تسويات تحقق مصلحة جميع الأطراف، وهو ما يحتاجه الاقتصاد والاستثمار في المرحلة الحالية.
في رأيك، ما أبرز الضمانات القانونية التي تضمنها قانون جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة لدعم الاستثمار؟اقترحت أن تُعد أموال الجهاز، والصندوق الخدمي، والصندوق السيادي أموالًا خاصة تتمتع بجميع أوجه وأشكال الحماية المقررة للأموال العامة، وهذه هي الصيغة التي تم الاعتداد بها في النهاية.
كما أدرجنا مادة تهدف إلى تحقيق استقرار الأوضاع الاقتصادية وطمأنة المستثمرين، سواء كانوا مصريين أو أجانب، وتنص على أن العقود التي يبرمها الجهاز لا يجوز الطعن عليها إلا من أطراف التعاقد فقط، وذلك على غرار أحكام القانون رقم 32 لسنة 2014، الذي أكدت المحكمة الدستورية العليا دستوريته.
وأرى أن هذه المادة تمثل ضمانة مهمة لأي مستثمر، لأنها توفر قدرًا كبيرًا من الاستقرار والثقة في البيئة الاستثمارية.
وأتمنى، بعد أن حصل جهاز مستقبل مصر على الغطاء القانوني المتكامل، أن يكون نواة لإنشاء مركز مالي عالمي في مصر، على غرار المراكز المالية العالمية في نيويورك ولندن وطوكيو، بحيث يتولى إدارة الثروات، ويجذب المستثمرين المحليين والدوليين، ويوفر آليات لفض المنازعات عن طريق التحكيم.
فمنطقة الشرق الأوسط لا تضم حاليًا سوى مركز دبي المالي العالمي، وأعتقد أن مصر في حاجة إلى مركز مالي عالمي مماثل يدعم مكانتها الاقتصادية والاستثمارية.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك