- الدول العربية من المحيط إلى الخليج وقعت فى خطأ الاعتماد الزائد على قوى كبرى خارجية لحماية أمنها- مطلوب تطوير كل دولة عربية بهوية اجتماعية سياسية تحظى بدعم شعبى واسع وتتوافق مع معايير وقيم القرن الحادى والعشرين- عوامل التلاقى والتوافق بين الدول العربية ما زالت أكثر من عوامل الاختلاف رغم الانطباعات المعاكسة السائدة حاليًا- على الشرق الأوسط المضى قدما نحو المستقبل متمسكا بالمعايير الدولية والواقعية السياسيةجاء تعيين وزير الخارجية الأسبق، نبيل فهمى، أمينا عاما جديدا للجامعة العربية خلفا للوزير أحمد أبوالغيط، وسط ظروف إقليمية ودولية غير مسبوقة، تشهد فى ظلها منطقة الشرق الأوسط ما يمكن تسميته إعادة رسم خرائطها وتوزيع مراكز الثقل فيها، مع عودة ملف حظر الانتشار النووى إلى بؤرة الاهتمام بسبب الحرب التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بدعوى تدمير برنامجها النووى.
من هنا تصبح قراءة كتاب «فى قلب الأحداث.
الدبلوماسية المصرية فى الحرب والسلام وسنوات التغيير» الصادر عن دار الشروق مهمة لكل المعنيين بالشئون العربية والدولية، حيث يعرض نبيل فهمى على صفحات هذا الكتاب تفاصيل رحلته الدبلوماسية ومع العمل العام منذ التحاقه بوزارة الخارجية عام 1976 وحتى تركه منصب وزير الخارجية فى يونيو 2014.
لم يشأ الدبلوماسى المخضرم والأمين العام الجديد للجامعة العربية لكتاب «فى قلب الأحداث» أن يقتصر على روايته ورؤيته للأحداث التى مرت على مصر والمنطقة طوال نحو 4 عقود، وكان مشاركًا فيها أو شاهدًا عليها من قريب، وإنما أراد أن يحمل أيضًا رؤيته لمستقبل المنطقة على أمل أن يكون العالم العربى أفضل للأجيال الجديدة.
وفى تصوره لمستقبل المنطقة العربية كتب وزير الخارجية الأسبق: «تواجه منطقة الشرق الأوسط وفى قلبها العالم العربى اليوم تغييرات هائلة، مع العديد من مؤشرات الصراع والاحتكاكات والمعاناة الإنسانية، وبصورة ربما لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية، وسيدرك أى شخص يحاول تسوية الصراعات السياسية فى المنطقة، أو يؤمن بضرورة التغيير الاجتماعى فيها، أنه فى أفضل الأحوال ومع عدم وجود أى مقاومة، سيحتاج هذا التغيير إلى تطور سياسى واقتصادى واجتماعى يستهلك الكثير من الوقت؛ فلا يوجد خبير فى شئون الشرق الأوسط أو ساعٍ للإصلاح فى المنطقة، يتوقع نتائج سريعة وشاملة لجهود التغيير والإصلاح.
يقينًا أن ذلك يحتاج إلى إعادة بناء قدرات المجتمعات وتغيير الممارسات الحياتية بل إلى تغيير شامل للثقافة السياسية».
الحقيقة أن الدول العربية من المحيط الأطلسى إلى الخليج العربى مرورًا بشمال إفريقيا والشام، وقعت عبر السنين فى خطأ الاعتماد الزائد على قوى كبرى خارجية لحماية أمنها، وحتى الدول الأقوى سياسيًّا وعسكريًّا مثل مصر وقعت فى نفس الخطأ عندما اعتمدت بشدة على الاتحاد السوفيتى فى ستينيات القرن العشرين، ثم على الولايات المتحدة بعد ذلك.
فى المقابل، فإن الدول غير العربية، وهى إيران وتركيا وإسرائيل، ومن خلال الاستغلال الأمثل لقدراتها المحلية والدعم الأجنبى تمكنت من تعزيز تحالفاتها، مع تحسين قدرات أمنها القومى الذاتية فى الوقت نفسه.
فى الوقت نفسه فإن اللجوء إلى قوة عظمى أو قوة إقليمية كبرى لضمان الأمن القومى فى مواجهة التهديدات الوجودية أمر مبرر فى بعض الأحيان والظروف؛ كما حدث عندما تعرضت الكويت للغزو العراقى عام 1990، إذ لم تكن تستطيع إنهاء الاحتلال بدون التحالف الدولى الذى قادته الولايات المتحدة، ولكن الإفراط فى اعتماد بعض الدول العربية على الدعم الأجنبى لحماية أمنها القومى؛ خلق لديها حالة من الشعور بالرضا والارتياح غير المبرر فى ضوء تفوق جيرانها غير العرب فى مجال الأمن القومى عسكريًّا وسياسيًّا؛ مما يشجع القوى الإقليمية المناوئة على التحرش بتلك الدول ومحاولة الهيمنة على المنطقة على أساس أن القوى العظمى التى توفر الحماية مشغولة بقضايا كثيرة، وستكون لها أولوياتها وحساباتها قبل التدخل، الذى لا يحدث غالبًا إلا إذا كان هناك خطر وجودى يهدد الدولة العربية ويتوافق مع مصلحة الداعم الأكبر الخارجى.
ويعتبر نبيل فهمى أن «مقاومة التغيير» و«قصور قدرات الأمن القومى»، هما أهم سببين للثورات العربية والخلل فى توازن القوى فى الشرق الأوسط مع بداية هذا العقد، والتى أدت إلى اضطرابات فى المنطقة، وأضيف دون أى تردد أن الشرق الأوسط لن يكون أفضل إلا إذا عالجنا هذه المتلازمة وتغلبنا على القصور.
وما زال على الدول العربية قطع الكثير من الخطوات وصولًا إلى الحكم الرشيد، وستكون البداية فى تطور كل دولة عربية بهوية اجتماعية سياسية متوافق عليها وتحظى بدعم شعبى واسع، وبما يتوافق مع معايير وقيم القرن الحادى والعشرين.
وعلى الرغم من أن مصر طورت منذ ١٩٥٢ نظامًا جمهوريًّا مستقلًّا؛ فقد كان تداول السلطة يتم بشكل قسرى.
كما أن كل فئة فى المجتمع كانت ضد الأخرى؛ فالمهمشون والفقراء ضد من لهم نفوذ، والأغنياء ومؤيدو القطاع الخاص ضد أنصار القطاع العام، ودعاة الدولة المدنية ضد الإسلاميين، والشباب ضد كبار السن، وهذا الاستقطاب تكرر بكل أسف فى مختلف الدول العربية.
لذا يجب تبنى سياسات اجتماعية اقتصادية رشيدة، وقد وصل الإنفاق العام فى العالم العربى، وهو المحرك التقليدى للتنمية إلى أقصى مدى له، ولم يعد القطاع العام قادرًا على استيعاب كل خريجى الجامعات فى البلدان العربية، فى الوقت نفسه فإن الشباب ذا مستوى التعليم الجيد الذى يستخدم أجهزة الاتصالات والمعلومات بالمعايير العالمية يمثل جزءًا كبيرًا من سكان بلاد المنطقة، علمًا بأن هذه الحقيقة يمكن أن تعطى سببًا وجيهًا للتفاؤل، بوصفها محفزًا للنمو فى المستقبل وخلق المزيد من الوظائف إذا تم تطبيق سياسات اقتصاد كلى رشيدة.
كما أن الدول العربية كلها تحتاج إلى أن تصبح «مجتمعات أكثر تعليمًا» وبخاصة فى مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مع خلق اقتصاد خدمى رقمى متنوع، وتعزيز القدرات التكنولوجية للقوة العاملة، علاوة على ذلك يجب أن تشجع النظم التعليمية على المزيد من الانفتاح وريادة الأعمال وتشجيع الطلبة على التفكير النقدى واكتساب المهارات الإدارية من خلال العمل الجماعى.
ولتحقيق هذا؛ سيحتاج الاقتصاد الرقمى إلى بنية تحتية تكنولوجية بما فى ذلك توسيع نطاق شبكات الإنترنت فائق السرعة وأنظمة الدفع الإلكترونى التى تتمتع ليس فقط بسهولة الاستخدام وإنما بالموثوقية، ومطلوب من الحكومات والسياسيين تطوير قواعد وتشريعات تشجع على الابتكار ولا تقمعه، وأن تضع نظاما لتشجيع شبكات الاتصال المجتمعى وتنظم استخدامها فى آن واحد.
ويقول فهمى إنه على الرغم من الانطباعات المعاكسة السائدة حاليًّا، فإن عوامل التلاقى والتوافق بين الدول العربية مازالت أكثر من عوامل الاختلاف، ولا ينبغى التقليل من قيمة الإرث التاريخى الواحد والقيم الثقافية المشتركة بين الدول العربية.
وإذا أراد العالم العربى أن يحقق تقدمًا فعليًّا ومستدامًا، فعليه المضى فى طريق التعاون المشترك وليس التطابق أو حتى بالضرورة الإجماع فى المواقف.
كما يجب أن تنشط الدول العربية سياسيًّا سواء بشكل منفرد أو بشكل جماعى؛ لأن البديل هو المزيد من تراجع الوزن السياسى لها، والذى سيكون كارثيًّا فى فترة التحول التى تمر بها المنطقة الآن، وعلى الدول العربية التعامل مع العالم المتغير من خلال توافق واسع المدى فيما بينها، مع السعى إلى بناء نظم سياسية تعددية وحكومات ديمقراطية وإعادة النظر فى الاعتماد الزائد على القوى الخارجية.
جدوى مفهوم الوحدة التقليدىلم يعد المفهوم السياسى التقليدى للوحدة العربية مجديًا ولا مرغوبًا، والمطلوب أن تستند علاقات الدول العربية فيما بينها خلال القرن الحادى والعشرين إلى مبدأ التعاون بين دول عربية ذات سيادة، وزرع ثقافة تعاونية ومصالح مشتركة عند مواطنيها بحيث تراعى الاحتياجات الوطنية للبلاد ويقدرون المزايا الإقليمية العائدة عليهم من التعاون على أن يتواءموا مع القيم الحضارية الدولية الحديثة.
علاوة على ذلك، يجب أن تستند القيادة فى العالم العربى إلى الإرث التاريخى والقدرة على التعاون مع الآخرين فى المنطقة؛ من أجل الوصول إلى الأهداف المشتركة.
هذا الكلام يحيلنا إلى مشروع جامعة الدول العربية الذى انطلق فى 22 مارس من عام 1945 كمظلة إقليمية للعمل العربى الجماعى، حيث اتجه العالم العربى بعد إنشاء الجامعة بمعدلات سريعة نحو الالتفاف حول مفهوم واحد جماعى للمصالح والمواقف العربية، وأفرط فى استخدام تعبيرات مثل «تطابق المواقف» و«الإجماع العربى»، وحتى فى حالة غياب هذا التطابق أو ذلك الإجماع.
لذلك اصطدمت هذه التعبيرات والتوجهات الوحدوية بحقيقة مختلفة، وهى أنه مع توافر عناصر عدة توحّدنا تاريخيًا وثقافيًا بل أيضًا سياسيًا عندما يكون التهديد غير عربى، مثل تلك المتعلقة بحقوق العرب ضد المحتل الأجنبى - فإنه لم يكن هناك إجماع حقيقى ومستقر حول الكثير من القضايا والتفاصيل الأخرى، بخاصة فى ما يتعلق بالمصالح أو الأولويات الوطنية.
وقد تجاهلنا حقيقة أن مثل هذا الاختلاف طبيعى، فتهربنا من الاعتراف به وبالغنا فى استخدام تعبيرات تعطى انطباعًا خطأ وغير منطقى بأن للعرب مواقف متطابقة على الدوام فى كل شىء، حتى أفرغنا هذه التعبيرات من معناها فى الساحة العربية والدولية، وفقدنا مع الزمن والتكرار المخل لوصف الحقيقة، الكثير من مصداقيتنا السياسية أمام شعوبنا وأمام العالم.
وليس إسرافًا القول إن تلك المبالغات كانت أخطاء جسيمة من عالمنا العربى أفقدتنا الكثير من المصداقية، دفعنا لها ثمنًا غاليًا مع شعوبنا وأصدقائنا لاستيعاب التطلعات والإدارة الرشيدة للتوقعات، وثمنًا باهظًا فى كبح جماح أعدائنا والتطلعات غير المشروعة للدول الشرق أوسطية فى الحقوق والمصالح العربية.
بدلًا من السعى إلى إصلاح الجامعة العربية وتقوية دورها، سارعت بعض الدول العربية إلى تشكيل مجموعات ومؤسسات وطنية دون الإقليمية، وهو تطور ليس بالضرورة مضرًا، إذا كان الغرض منه تفعيل التعاون فيما بين دول متماثلة فى الخصائص والأولويات.
كما أنه أمر منطقى فى ضوء عدم تطور المفهوم العربى وعدم فاعلية العمل المشترك فى التعامل مع القضايا العاجلة.
ومن تلك المؤسسات، مجلس التعاون الخليجى الذى تطور كثيرًا قبل التعثر الأخير، وعلى مستويات أضعف، كان هناك مجلس التعاون العربى والاتحاد المغاربى.
وقبل توجيه اللوم لهذا أو ذاك، لعله من المناسب التنويه إلى الغالبية العظمى من المنظمات الدولية والإقليمية فى أنحاء العالم تتعرض حاليا لانتقادات شديدة، تنتقص من مصداقيتها فى عصرنا المشحون بقضايا العولمة، والمتواصل مع بعضه تكنولوجيًا على مستوى لم يسبق له مثيل، مما يسلط الأضواء وبسرعة فائقة على القضايا العالمية، ويجعلها قضايا جدلية شعبويًا، ويزيد من أهمية حلها بسرعة حلها وشخصنتها على حساب المؤسسات الدبلوماسية الوطنية والإقليمية والدولية.
وفى كل الأحوال للعرب أن يفخروا بأن جامعة الدول العربية التى أنشئت عام 1945، والتى عقدت أولى قممها بدعوة من الملك فاروق عام 1946، كانت أول منظمة إقليمية تظهر فى العالم، سابقة حتى على السوق الأوروبية المشتركة وحلفى وارسو والناتو، مما يعكس حكمة القيادات العربية حينذاك، وحسن إدراكهم لأن التعاون فيما بينهم يخدم مصالحهم الدولية فرديًا وجماعيًا، وهو تقدير سليم كان سابقًا لعصره.
وتقتضى الأمانة التنويه بأن السعى لإجراء تعديلات على الميثاق قائم منذ 1954، وحدث بالفعل قدر من التطور والتعديل فى الإجراءات مثل عقد القمم العربية منذ 1964، ثم تنظيمها، دوريًا وسنويًا، واتخذت قرارات مهمة اعتبارًا من قمة الجزائر لعام 2005 لإنشاء برلمان عربى، والسماح بمشاركة المجتمع المدنى فى أعمال المجلس الاقتصادى والاجتماعى، فضلًا عن طرح أفكار أخرى لم ترَ النور حتى الآن لإقامة منطقة تجارة عربية حرة.
ومع تفاقم التوترات العربية الوطنية والإقليمية فى العقد الأول من هذا القرن شكّل الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربى لجنة خبراء برئاسة الأخضر الإبراهيمى وعضوية غسان سلامة وإياد مدنى.
وكنت شخصيًا عضوًا فيها، انتهت إلى وضع أسس لتعديل ميثاق الجامعة، وتصحيح مسار العمل فى مؤسساتها، ومن أهم نقاط الارتكاز لعملها كان ضمان مشاركة المجتمع المدنى، والشفافية والتعامل مع القضايا السياسية والمجتمعية والاقتصادية المعاصرة، والمؤسسات الواجب تشكيلها لتمكين الجامعة من مواكبة العصر.
وتشكلت بعد ذلك فرق عمل من مندوبين حكوميين بالجامعة، رأت أن هناك عدم وضوح فى النصوص الخاصة بمهام المستويات الثلاثة لمجلس الجامعة، القمة والوزارى وعلى مستوى المندوبين، وعدم تحديد الاختصاصات وتشتتها بين الميثاق وملحق الانعقاد الدورى والنظام الداخلى لمجلس الجامعة، فضلًا عن الحاجة لمعالجة المسائل الإجرائية الخاصة بانعقاد مجلس الجامعة ورئاسته واستضافته وآلية اتخاذ القرار بشكل واضح فى الميثاق الحالى.
واقترحت خلال المناقشات عددًا من التعديلات أهمها؛ تخصيص مادتين أساسيتين للمبادئ التى تتعهد الدول بالعمل وفقًا لها، وعلى رأسها احترام سيادة الدول الأعضاء واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها وأنظمة الحكم القائمة فيها، والحفاظ على المصالح العربية المشتركة بما يتفق مع مبادئ وأهداف هذا الميثاق، وعدم تدخل أى دولة فى الشئون الداخلية لدولة عضو أخرى، والالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة واحترام المعاهدات والاتفاقيات العربية والمواثيق الدولية، واحترام مبدأ المساواة بين الدول الأعضاء فى الحقوق والواجبات، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية، واحترام المبادئ الديمقراطية وقيم العدل والمساواة وضمان حماية حقوق الإنسان وتعزيز الحكم الرشيد وسيادة القانون.
وسعيًا لضمان أن تعكس قرارات الجامعة إرادة الشعوب ودولها أُفردت المقترحات فصل خاص لنظام التصويت، وتناول هذا الفصل آلية اتخاذ القرار فى مجلس الجامعة على كل المستويات، فى حالة عدم تحقيق التوافق، وكذلك المسائل التى يكتفى فيها بالأغلبية البسيطة، والقرارات المتعلقة بالتدابير اللازمة لدفع اعتداء دولة على دولة عضو فى الجامعة، والقرارات التى يلزم الإجماع لاعتمادها.
والخلاصة هى أن هناك بالفعل اقتراحات ودراسات وتعديلات مقترحة عديدة من الممكن إقرارها وتنفيذها، إنما على الدول العربية التعامل بنفس المفهوم الاستراتيجى الحكيم لمؤسسى الجامعة منذ نصف القرن الماضى، فالتعاون العربى الاستراتيجى لصالح الكل، ولا ينتقص من السيادة الوطنية للدول.
ويجب تحديث عمل الجامعة بنظرة وأهداف مستقبلية واستثمار التوافق كلما وجد، والتعامل مع وإدارة الاختلافات فى وجهات النظر بشفافية، حفاظًا على مصداقية القرارات والدول الأعضاء، هذا فضلًا عن تطوير دور ومسئوليات الأمانة العامة للجامعة، بما يسمح لها المبادرة الخلاقة بالفكر والتنويه بالمخاطر والتحديات، مع احترام مسئوليات الدول فى اتخاذ القرارات الملزمة لها ولشعوبها.
فخطورة الأوضاع الحالية تفرض علينا أن نكون طموحين، وجريئين، وواقعيين فى الوقت نفسه، إذا كنا نريد التراجع عن حافة الهاوية السياسية.
وصعوبة التوصل إلى اتفاق حول كل هذه العناصر ليست مبررًا للانتهاء إلى صياغات عامة ورنانة غير جادة ولا تنفذ، كما أنها ليست سببًا لعدم بدء التعامل معها، بل يجب التحرك بكل جدية لإصدار ما يمكن إقراره من اتفاقات، أو على الأقل البدء باتخاذ إجراءات لبناء ثقة فى المسارات التى لم تكتمل.
فالمستقبل السياسى العربى أمام تحديات وجودية.
ومحاولات الغير لتغيير هوية الشرق الأوسط، أمور لا تسمح إلا بالتعامل الجاد والصادق، والتعاون العربى رغم صعوبته، هو السبيل الأفضل لصيانة مصالحنا المستقبلية.
بالطبع هناك صراعات وأزمات إقليمية يعتبر حلها أو استمرارها مكونًا أساسيًّا لتحديد أهداف السياسة الخارجية وسياسات الدول خلال السنوات المقبلة؛ فالدول العربية من المحيط الأطلسى حتى الخليج العربى تعانى من الصراعات الإقليمية والثنائية والداخلية.
ففى الغرب هناك خلاف حاد ومستمر بين الجزائر والمغرب بشأن الصحراء الغربية ودور جبهة البوليساريو، وأصبحت ليبيا دولة فاشلة وأرضا خصبة للمتطرفين والإرهاب، مع ما لذلك من التداعيات الإقليمية الخطرة.
ومازال الصراع يلتهم حاضر ومستقبل اليمن.
والذى تحول إلى حروب بالوكالة بين القوى الإقليمية.
وما زال الصراع العربى ـ الإسرائيلى مستمرًّا منذ حوالى سبعة عقود؛ مما يجعل الحياة غير محتملة بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلى.
فى ظل كل هذا الاضطراب، نجد الدبلوماسية العربية غائبة بشكل غريب؛ ففى مواجهة الدعم الذى تقدمه دول غير عربية، تقدم بعض الدول العربية الدعم العسكرى لأطراف مختلفة فى الصراعات الأهلية وبخاصة فى ليبيا واليمن.
وفى الحرب ضد الإرهاب فى سوريا والعراق، ولكن أين الدبلوماسية العربية؟ كل الجهود الدبلوماسية التى تتعامل مع هذه الصراعات والملفات تقودها إما دول غير عربية وإما منظمات غير عربية.
على العرب التعامل مع مفهوم النظام الأمنى الإقليمى فى الشرق الأوسط بقوة ومبادرة أكبر، نظام أمنى يضمن حدود الدول الوطنية ويمتد ليشمل الجيران المباشرين ثم دول جنوب الصحراء الإفريقية، ثم إلى أوروبا.
وكما يحدث فى العالم، فإن الشرق الأوسط يتغير جيوسياسيًّا، وهو ما يجب التعامل معه باعتباره معادلة مستمرة.
وهناك تحديات فى الطريق نحو مستقبل أفضل واستقرار إقليمى، تحتاج إلى خطوات عقلانية واستباقية وحكيمة من جانب الدول العربية القوية المعتزة بنفسها، وستكون الدبلوماسية العربية النشطة عاملًا حاسمًا فى نجاح أو فشل الصحوة العربية، وهذه الرؤية الجديدة أيضا ضمن العوامل التى تحدد مكانة العرب فى النظام العالمى المستقبلى، وتحديد ما إذا كان الشرق الأوسط سيظل ساحة للعنف، أم يتقدم نحو مستقبل أكثر استقرارا.
ونظرًا لآن الشرق الأوسط لا يستطيع ولا يجب أن يعيش معزولًا عن المجتمع العالمى، فإن المضى نحو المستقبل يجب أن يتم من خلال التمسك بالمعايير الدولية والواقعية السياسية فى إدارة الأزمات وتسوية الصراعات.
فلن تحقق الدول العربية وجيرانها فى الشرق الأوسط الاستقرار إلا إذا تم احترام القواعد والمعايير الدولية، ليس باعتبارها مفروضة من جانب قوى خارجية وإنما باعتبارها استجابة لمطالب الشعوب.
فى الوقت نفسه، فإن محاولات إدارة الأزمات وتسوية الصراعات يجب أن ترتبط بالحفاظ على المؤسسات الحكومية واحترام قدسية الحدود الدولية، حتى إذا بدت المكاسب التكتيكية قصيرة المدى جذابة وتغرى بالسياسات الانتهازية.
ولكى تتقدم المنطقة نحو مستقبل أفضل، يجب استعادة العلاقات الطبيعية والإيجابية بين مصر وتركيا وبين السعودية وإيران، فمن الصعب تصور شرق أوسط مستقر، فى الوقت الذى تتصارع فيه القوى الإقليمية.
بالطبع تحقيق هذا المطلب صعب إن لم يكن مستحيلًا فى المستقبل المنظور؛ لذا يجب أن تقوم تركيا وإيران بخطوات أولية ولكن ملموسة لبناء الثقة مع دول الجوار، ويمكن أن ترد مصر والسعودية بخطوات تشير إلى انفتاحهما على التعامل بإيجابية مع المصالح المشروعة لهاتين الدولتين.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك