تعتزم عدة جهات فاعلة في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، بينها جهات حقوقية، تقديم التماس إلى المحكمة العليا ضد إقدام الحكومة الإسرائيلية على اقتطاع نحو نصف مليار شيكل من ميزانيات مخصصة للمجتمع العربي، وتحويلها لصالح جهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة، بذريعة مكافحة العنف والجريمة، على حساب مشاريع حيوية.
ولا تقتصر خطورة هذه الخطوة على الجانب المالي، بل تحمل أبعاداً سياسية وأمنية، وقد تعزز فعلياً تعقب المواطنين العرب من فلسطينيي 48 واختراق خصوصيتهم.
كما تكمن المفارقة في وجود ميزانيات لم تُستغل من خطة سابقة مخصصة لمكافحة الجريمة، ما قد يشير إلى أن الحكومة تضمر شيئاً آخر.
وتتمثل مفارقة أخرى في أن تقارير سابقة أشارت إلى وجود علاقة بين منظمات الإجرام والأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
وتعني هذه الخطوة مشاركة" الشاباك" رسمياً في مكافحة الجريمة في المجتمع العربي، أو على الأقل هذا ما هو معلن، وسط شكوك لدى المواطنين العرب بأن الشرطة و" الشاباك" متورطان في تغذية الجريمة، فضلاً عن أن السلاح كثيراً ما يصل إلى المجرمين من قواعد الجيش.
وبحسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أمس، قاد الخطة كلٌّ من بنيامين نتنياهو والوزيرين إيتمار بن غفير وماي غولان.
ومن بين التساؤلات المطروحة: إذا كانت الحكومة مهتمة فعلاً باجتثاث الجريمة، فلماذا تحركت الآن فقط، في نهاية ولايتها، بعد سنوات متواصلة من ارتفاع حالات القتل في المجتمع العربي، وتسجيل أكثر من 150 جريمة قتل منذ مطلع العام الجاري وحده؟ ولماذا تُقتطع الأموال من ميزانيات الخطة الحكومية 550 المخصصة لسد الفجوات والحد من التمييز في مختلف المجالات، بدلاً من استغلال ميزانيات الخطط المخصصة لذلك؟وسيُخصص، في إطار القرار الجديد، نحو 364.
5 مليون شيكل من الميزانيات المقتطعة لصالح" الشاباك"، بذريعة إنشاء وحدة خاصة لمكافحة تهريب وتجارة الأسلحة، وتعزيز القدرات الاستخبارية والعملياتية.
وإضافة إلى ذلك، سيُخصص نحو 132.
4 مليون شيكل للشرطة، بذريعة إنشاء وحدة خاصة لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي، بما يشمل إنشاء منظومات تكنولوجية والتزود بوسائل عملياتية متقدمة.
وبحسب بيان نتنياهو، ستُخصص 130 وظيفة جديدة لـ" الشاباك" ابتداءً من هذا العام، إلى جانب تخصيص ميزانية ثابتة قدرها 35 مليون شيكل سنوياً.
ومن بين الجهات التي تحركت ضد القرار مركز مساواة الحقوقي، ومقره حيفا، والذي كان قد حذر، قبل المصادقة على القرار، من أن هذه الخطوة تمثل تغييراً في أهداف الخطة التي أُقرت لتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العربي.
في حديث لـ" العربي الجديد"، قالت سهى سلمان موسى، المديرة التنفيذية لمركز مساواة، إن" من مخاطر القرار أنه يأخذ من ميزانية خطة يفترض أنها جاءت في حينه لسد الفجوات.
وهذا يعني أن جزءاً من البرامج سيتوقف، علماً أن الكثير منها يشكل أطراً للشباب.
ومن المهم التذكير كذلك بأنه في ديسمبر/كانون الأول الماضي اقتطعت الحكومة أيضاً 220 مليون شيكل بحجة تحويلها لمكافحة العنف والجريمة".
وتوضح موسى أن" مكافحة الجريمة هي أولاً مسؤولية الدولة والشرطة، وليست مسؤولية الشاباك.
كما أن تعزيز الشرطة يجب أن يكون من الميزانيات المخصصة لوزارة الأمن القومي، فلماذا يكون ذلك الآن على حساب المجتمع العربي؟ كذلك، فإن اقتطاع هذه الميزانيات المخصصة للبنى التحتية، والتشغيل، والأطر الشبابية، يدخلنا بوصفنا مجتمعاً في دائرة العنف والجريمة شئنا أم أبينا، ولا يحد منها".
ولفتت المديرة التنفيذية لمركز مساواة إلى وجود الخطة 549، أو ما يُعرف بالقرار الحكومي 549، وهي خطة خمسية أقرتها الحكومة الإسرائيلية لمكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، لتغطي الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2026.
وأوضحت أنه" ضمن هذه الخطة، يُفترض تخصيص مليار ومئتي مليون شيكل لمكافحة العنف والجريمة والإجرام المنظم، وهناك سبع وزارات مرتبطة بهذه الخطة، منها وزارة الأمن القومي، ووزارة القضاء، ووزارة الرفاه، لكن لاحقاً اكتشفنا أن نصف هذه الميزانيات تقريباً لم يُستنفد.
نتحدث عن مئات ملايين الشواكل التي لم تُستغل.
والسؤال: لماذا لا تُستخدم هذه الأموال المخصصة لمكافحة الجريمة، وبدلاً من ذلك تختار الحكومة الاقتطاع من الخطة 550؟ نحن نرى أن هذه سياسة ممنهجة لوزيرة المساواة الاجتماعية ماي غولان، التي يفترض أن تهتم بكل ما يتعلق بميزانيات المجتمع العربي، خاصة أن سلطة التطوير الاقتصادي للمجتمع العربي موجودة ضمن هذه الوزارة، لكنها بدلاً من ذلك تحول الميزانيات إلى بن غفير وغيره ولغايات أخرى".
ترى أوساط في المجتمع العربي أن هذه الخطوة تنم عن تصنيف أمني للمواطنين العرب.
وفي هذا السياق، قالت موسى لـ" العربي الجديد" إن" ما يحدث يندرج ضمن سياسة عامة أوسع، بحيث تبحث الحكومة عن كل ذريعة ممكنة لاعتبار المجتمع العربي خطراً أمنياً.
هذا ما يعنيه إدخال الشاباك إلى هذا المجال.
تريد الحكومة بذلك تعزيز اختراق الشاباك لمجتمعنا لأهداف لا تتعلق بمكافحة العنف.
وبهذا الصدد، هناك الكثير من الأسئلة الدستورية والقانونية والأخلاقية: كيف يمكن توظيف جهاز مسؤول عن أمن الدولة والأسلحة المهربة وغير المرخصة من الخارج، وإقحامه في قضايا مجتمعنا؟ ".
وأشارت موسى، في ختام حديثها، إلى أن عدة جهات، بينها مؤسسات أهلية، تنسق في ما بينها لتقديم التماس ضد القرار إلى المحكمة العليا، وربما يكون ذلك في الأسبوع المقبل، على أمل أن يجدي ذلك نفعاً، بعد تجاهل الحكومة الاعتراضات المهنية والقانونية التي قُدمت قبل إقراره.
اعتبر رئيس بلدية كفر قرع، عضو اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية فراس بدحي، أن اقتطاع الميزانيات أمر مؤسف.
ويرى بدحي، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن تناول الحكومة لموضوع العنف والجريمة، بعد تجاهله لسنوات، هو أمر يفترض أن يكون جيداً في الوضع الطبيعي، " ولكن لماذا يكون ذلك من خلال خطة تأتي على حساب الميزانيات المخصصة للعرب ولتقليص الفجوات؟ "، متسائلاً في الوقت ذاته عما إذا كان" الشاباك" سيحفظ خصوصية المجتمع العربي، أم سيكون سبباً في ملاحقته إذا تدخل فعلاً لمكافحة الجريمة.
وأضاف: " اقتطاع الميزانيات مؤشر سيئ جداً، سيؤثر في مجالات كثيرة، ويساهم في تدهور الأوضاع، ويمس بالخدمات، في ظل حاجة المجتمع العربي الماسة إلى هذه الميزانيات".
ويرى بدحي أن" مبلغ نصف مليار شيكل مهم جداً لنا، لكنه لا يساوي شيئاً أمام ما تخصصه الحكومة لدعم المستوطنات والمدن اليهودية، ما يدفعنا إلى الشك في نياتها، ذلك أن المبلغ، على أهميته بالنسبة إلينا، زهيد بالنسبة لها".
واعتبر بدحي أن" الشاباك" لن يسأل المجتمع العربي حين يتدخل في شؤونه، وأن إسرائيل، بمختلف أذرعها، مطالبة بتوفير الأمان للمواطنين، لكن بعيداً عن انتهاك الخصوصية، مضيفاً أنه" يجب أن تكون هناك رقابة على استخدام هذه الأدوات في مكافحة الجريمة، بصورة لا تمس المواطن العربي، ولا تشكل خطورة عليه وعلى حريته بوصفه مواطناً في هذه البلاد.
يجب ألا يكون الشاباك وسيلة لتعقب المجتمع العربي وملاحقة أفكارنا وعملنا السياسي، والمس بحريتنا.
نحن نحذر من مثل هذه الأمور، ونرى فيها مساساً صارخاً بحرية المواطن".
في سياق متصل، أوضحت جمعية حقوق المواطن أن" مكافحة الجريمة، حتى عندما يدور الحديث عن جريمة خطيرة في المجتمع العربي، لا تقع ضمن صلاحيات الشاباك بموجب القانون، فالشاباك جهاز أمني مخصص للتعامل مع التهديدات الأمنية، وليس جهازاً شرطياً لمعالجة قضايا جنائية مدنية".
واعتبرت الجمعية، في بيان صدر خلال الأيام الأخيرة، أن" إدخال الشاباك إلى هذا المجال يشكل تجاوزاً خطيراً للصلاحيات، ويمس بحقوق أساسية، من بينها الحق في المساواة، والكرامة، والحرية، والخصوصية، والإجراء العادل.
كما يثير التخوف من استخدام أدوات سرية واستخباراتية واسعة ضد المواطنين العرب، وتحويل المجتمع العربي إلى ساحة مراقبة أمنية جماعية.
والموقف القانوني الذي عبّر عنه المستشارون القضائيون للحكومة في السنوات الأخيرة واضح: معالجة الجريمة بحد ذاتها ليست من مهام الشاباك، حتى عندما تكون الجريمة خطيرة أو تشمل استخدام السلاح.
لذلك، فإن مشاركة الشاباك في العملية الحالية، كما نُشر، تخالف هذا الموقف وتستوجب وقفاً فورياً".
وشددت الجمعية على أن" معالجة الجريمة والعنف في المجتمع العربي يجب أن تتم عبر إنفاذ قانون مهني، عادل وشفاف، وبالاستثمار في تقليص الفجوات والخدمات المدنية، لا من خلال توسيع صلاحيات جهاز أمني سري ضد أقلية قومية تعاني أصلاً من تمييز بنيوي".


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك