عدتُ من فلسطين بذاكرةٍ أثقل.
فالوطن قد نغادره بأجسادنا، لكنه يرفض أن يغادر أرواحنا.
ذهبتُ مشتاقًا، وعدتُ أكثر حبًا لفلسطين… وأكثر قلقًا عليها.
في تلك الأيام، كان للجمال حضوره؛ دفء اللقاءات، ورائحة الأرض، والوجوه التي تختصر معنى الانتماء.
وكان من أعظم ما أكرمني الله به أن أصلي في رحاب المسجد الأقصى المبارك، حيث تعجز اللغة أمام هيبة المكان.
هناك تدرك أن القدس ليست خبرًا عابرًا، وأن الأقصى ليس عنوانًا تستدعيه السياسة عند الأزمات، بل ذاكرة أمة، وروح شعب، وتاريخ حيّ يقاوم النسيان.
لكن فلسطين ليست جمالًا فقط.
هي أيضًا اختبارٌ يومي لمعنى الحرية.
فالاحتلال، لمن يراه عن قرب، ليس مصطلحًا سياسيًا تتداوله نشرات الأخبار، بل واقعٌ يتسلل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة؛ إلى الطريق الذي تسلكه، والوقت الذي تحتاجه لزيارة أهلك، والسؤال الذي يرافقك في كل رحلة: هل أصل، أم يعترضني حاجز، أو إغلاق، أو خوف لم يكن في الحسبان؟في الولايات المتحدة نقيس المسافات بالأميال.
أما في فلسطين، فتُقاس بالحواجز والانتظار والاحتمالات.
ولم يعد عنف المستوطنين حادثًا يمكن إخفاؤه خلف تعبيرات دبلوماسية مثل «التوتر» أو «الاحتكاكات».
فاللغة قد تُهذّب الكلمات، لكنها لا تُغيّر الحقيقة، والظلم لا يصبح أقل ظلمًا لأننا منحناه اسمًا ألطف.
ولسنوات طويلة، روى الفلسطيني هذا الواقع، بينما تعامل كثيرون مع روايته بوصفها رواية طرفٍ في صراع.
لكن الصورة بدأت تتغير عندما وثّقت وسائل إعلام أمريكية اعتداءات على صحفيين دوليين في الضفة الغربية، وعندما تحدث عضو الكونغرس الأمريكي رو خانا عن مواجهته مستوطنين مسلحين خلال زيارة ميدانية.
كم يحتاج الفلسطيني من الشهود حتى تُصدَّق شهادته؟وهل تصبح الحقيقة أكثر إقناعًا عندما ينطق بها صحفي غربي أو نائب في الكونغرس، بينما تبقى شهادة الفلسطيني وحدها موضع تشكيك؟ليست هذه دعوة إلى تصديق الفلسطيني لأنه فلسطيني، بل دعوة إلى الإنصاف.
فالحق لا تتغير قيمته باختلاف هوية من يرويه.
وخلال الزيارة، تشرفت، مع مجموعة من أبناء الجالية الفلسطينية الأمريكية، بلقاء الرئيس محمود عباس.
ومن بين ما قاله لنا عبارة بقيت ترافقني طوال رحلة العودة:لم أسمعها بوصفها مجاملة بروتوكولية، بل مسؤولية أخلاقية.
فنحن، الفلسطينيين الأمريكيين، لا نخاطب الولايات المتحدة من خارجها.
نحن جزء من مجتمعها.
نعمل فيها، وندفع الضرائب، ونربي أبناءنا، ونشارك في مؤسساتها، ونصوت في انتخاباتها.
ولذلك فإن حديثنا عن فلسطين ليس صوتًا غريبًا يطرق باب أمريكا، بل صوت مواطن أمريكي يحمل في ذاكرته وطنًا آخر.
ليس أن نحول فلسطين إلى شعار، ولا أن نختصرها في الغضب، بل أن نحمل روايتها بصدق، وأن نقدمها كما هي، بعيدًا عن المبالغة والانفعال.
فنحن لا نطلب من أمريكا أن تعادي أحدًا، بل أن تبقى وفيةً للقيم التي جعلتها مرجعًا لكثيرين حول العالم؛ الحرية، والمساواة، والعدالة.
فالحرية لا ينبغي أن تتوقف عند حاجز.
والكرامة لا تتغير باختلاف الهوية.
والأمن لا يجوز أن يكون حقًا مطلقًا لشعب، وهاجسًا يوميًا لشعب آخر.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك