تحقيق يتتبع بالأرقام والوثائق مراحل انتقال أموال الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعيةالبنك الدولي وصندوق النقد يكشفان كيف تعيد الحكومات ترتيب الموازنات خلال الساعات الأولى للأزماتالمال لا يختفي مع الكارثة.
بل ينتقل من التنمية إلى الإغاثة ثم إلى التعافي وإعادة الإعمارفي كل مرة تندلع فيها حرب، أو يضرب زلزال مدينة، أو يجتاح وباء دولة، تتجه أنظار العالم إلى عدد القتلى، وصور الدمار، ونداءات الإغاثة، تتصدر المأساة عناوين الأخبار، ويُختزل الحدث في أرقام الضحايا والخسائر الإنسانية.
لكن خلف هذا المشهد، تبدأ قصة أخرى لا تظهر على شاشات التلفزيون ولا تتصدر الصفحات الأولى للصحف، قصة تتحرك فيها مليارات الدولارات في صمت، أموال تُعاد توجيهها، وأسواق ترتفع وأخرى تهبط، وعقود تُوقَّع، واستثمارات تتغير وجهتها، بينما تستعد حكومات ومؤسسات وشركات لمرحلة جديدة فرضتها الأزمة، فهل تختفي هذه الأموال مع الضحايا؟ ، أم أنها تنتقل من يد إلى أخرى؟ ، وهل تؤدي الكوارث إلى تدمير الاقتصاد فقط، أم أنها تعيد تشكيله، وتخلق رابحين وخاسرين في الوقت نفسه؟هذا التحقيق لا يبحث عن نظريات مؤامرة، ولا يسعى إلى توجيه اتهامات، بل يتتبع بالأرقام والوثائق والتقارير الرسمية المسار الذي تسلكه الأموال عقب الحروب والكوارث والأوبئة، في محاولة للإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا، لكنه شديد التعقيد:وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى اللحظة الأولى التي تعقب وقوع الكارثة، فبينما تتجه الأنظار إلى الضحايا وعمليات الإنقاذ، تبدأ الحكومات في اتخاذ قرارات مالية واقتصادية عاجلة لمواجهة تداعيات الأزمة.
ومن هنا تبدأ رحلة الأموال.
عندما تقع الكارثة.
لا تختفي الأموالتشير المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى أن الكوارث والحروب لا تعني اختفاء الأموال من الاقتصاد، بل تعني انتقالها إلى مسارات جديدة تفرضها طبيعة الأزمة.
وفقًا للبنك الدولي (World Bank): تؤدي الحروب والكوارث الكبرى إلى إعادة توجيه الموارد العامة والخاصة نحو الاستجابة الطارئة وإعادة الإعمار، بما يغيّر أنماط الإنفاق والاستثمار لفترات قد تمتد لسنوات.
أولًا: الاقتصاد لا يتوقف.
بل يغيّر اتجاههوفقًا لتقييم مجموعة البنك الدولي بعنوان" Managing Disaster-Related Fiscal Risks in a Shock-Prone World": أصبحت الكوارث أحد أكبر مصادر المخاطر المالية التي تواجه الحكومات، إذ تتجاوز الخسائر الاقتصادية العالمية المباشرة الناجمة عنها ما بين 180 و200 مليار دولار سنويًا، بينما ترتفع التكلفة إلى أكثر من تريليوني دولار عند احتساب الآثار غير المباشرة على الاقتصاد والمجتمع.
ويشير التقرير إلى أن الحكومات تلجأ بعد وقوع الكوارث إلى إعادة تخصيص بنود الموازنات، أو السحب من الاحتياطيات، أو اللجوء إلى الاقتراض الطارئ لتوفير التمويل اللازم للاستجابة.
وتكشف هذه المؤشرات أن الكارثة لا تؤدي إلى اختفاء الأموال، وإنما إلى تغيير أولويات الإنفاق، بحيث تتجه الموارد سريعًا نحو الإغاثة، والرعاية الصحية، وإصلاح البنية التحتية، وتعويض الخسائر، وهي أولى حلقات انتقال الأموال بعد وقوع الأزمات.
ثانيًا: الحرب ليست فقط خسائر.
بل قرارات مالية جديدةالحروب لا تخلّف خسائر بشرية ومادية فحسب، بل تفرض على الحكومات إعادة صياغة سياساتها المالية لمواجهة واقع جديد فرضته الأزمة.
وفقًا لصندوق النقد الدولي (IMF): تؤدي الحروب إلى تكاليف اقتصادية طويلة الأمد، كما تدفع الحكومات إلى زيادة الإنفاق العسكري، وهو ما يرفع العجز المالي والدين العام، ويجبرها في كثير من الأحيان على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، بما قد يأتي على حساب قطاعات مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
كما تشير أبحاث الصندوق إلى أن فترات ارتفاع الإنفاق الدفاعي ترتبط بزيادة عجز الموازنات وارتفاع الدين العام خلال السنوات التالية، وبمعنى آخر، فإن الأموال لا تتبخر مع اندلاع الحرب، لكنها تغيّر وجهتها، لتصبح موجهة إلى متطلبات فرضها الصراع، ويبقى السؤال الذي يقود إلى المرحلة التالية من التحقيق: إذا كانت الأموال لا تختفي، فمن هي أول الجهات التي تتلقى هذه التدفقات المالية بعد وقوع الكارثة؟أول من يتحرك ليس المُقاول.
بل وزارة الماليةبينما تنشغل أجهزة الإنقاذ بانتشال الضحايا، تبدأ معركة أخرى داخل الحكومات، لكنها لا تدور في الشوارع أو المستشفيات، بل داخل وزارات المالية والبنوك المركزية وخزائن الدول.
ففي الساعات الأولى لأي حرب أو كارثة طبيعية أو وباء واسع النطاق، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من أين سيأتي التمويل؟وفقًا لتقييم مجموعة البنك الدولي بعنوان" Managing Disaster-Related Fiscal Risks in a Shock-Prone World": تعتمد الحكومات عادة على أربعة مسارات رئيسية لتوفير السيولة اللازمة للاستجابة العاجلة، وهي:إعادة تخصيص بنود الموازنة العامة.
السحب من الاحتياطيات المالية المتاحة.
اللجوء إلى الاقتراض الطارئ.
الاعتماد على التمويل أو المساعدات الخارجية إذا لم تكن الموارد المحلية كافية.
ويشير التقرير إلى أن هذه الإجراءات لا تعني توفير أموال جديدة بالضرورة، وإنما إعادة توجيه الأموال الموجودة أو البحث عن مصادر تمويل إضافية لتغطية النفقات الطارئة التي فرضتها الأزمة.
ووفقًا لصندوق النقد الدولي (IMF): تؤدي الحروب وارتفاع الإنفاق الدفاعي إلى خيارات مالية صعبة، إذ تضطر الحكومات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، أو زيادة الإيرادات، أو اللجوء إلى الاقتراض، لأن تمويل النفقات الاستثنائية لا يمكن أن يستمر دون آثار على الموازنة العامة والدين العام.
وهنا تظهر أول حقيقة في رحلة الأموال: الأموال لا تختفي مع وقوع الكارثة، لكنها تبدأ في تغيير مسارها، فبدلًا من أن تتجه إلى مشروعات التنمية أو الخدمات العامة كما كان مخططًا، تتحول إلى تمويل الاستجابة الطارئة، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة ستحدد الجهات التي ستتلقى هذه التدفقات المالية.
أول من يحصل على المال.
ليس من تتوقعهبعد أن توفر الحكومة التمويل اللازم للاستجابة، لا تنتقل الأموال مباشرة إلى شركات إعادة الإعمار أو إلى الشركات الكبرى، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل تمر أولًا عبر مؤسسات الدولة والجهات المسؤولة عن إدارة الأزمة.
وفقًا للبنك الدولي (World Bank): تعتمد الحكومات على نظم الإدارة المالية العامة (Public Financial Management Systems) لتوجيه الأموال المخصصة للطوارئ، بدءًا من اعتماد المخصصات المالية، مرورًا بإجراءات الصرف، وانتهاءً بمتابعة الإنفاق والرقابة عليه، بما يضمن وصول الموارد إلى الجهات المنفذة للاستجابة.
وتؤكد تقارير البنك أن كفاءة هذه الأنظمة تعد عاملًا حاسمًا في سرعة الاستجابة وتقليل الهدر أثناء الكوارث.
ويعني ذلك أن أول رحلة للأموال لا تبدأ مع الشركات، وإنما داخل أجهزة الدولة نفسها، حيث يجري تحديد الجهات التي ستحصل على التمويل، وحجم المخصصات، وأولويات الإنفاق.
من يحصل على النصيب الأول؟تختلف الإجابة باختلاف نوع الكارثة، إلا أن نمط الإنفاق يكاد يكون متشابهًا في معظم دول العالم.
وفقًا لمكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث (UNDRR): تتركز النفقات العاجلة بعد الكوارث في عمليات البحث والإنقاذ، والرعاية الصحية، والإيواء المؤقت، وتأمين الغذاء والمياه، وإصلاح المرافق الحيوية، قبل الانتقال إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وبمعنى آخر، فإن الأموال تمر بعدة مراحل، تبدأ بإنقاذ الأرواح، ثم الحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية، قبل أن تصل إلى مرحلة إعادة البناء.
إذا أردنا تبسيط ما يحدث خلال الأيام الأولى لأي كارثة، فإن رحلة الأموال تسير غالبًا على النحو التالي:إعادة ترتيب أولويات الموازنة أو توفير تمويل عاجل.
تحويل الأموال إلى الجهات الحكومية المختصة.
بدء الإنفاق على الإغاثة والخدمات الأساسية.
الانتقال لاحقًا إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.


التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك