أتى علينا زمن يكتب فيه أناس أضعافاً مضاعفة لما يقرأون، ويتيهون بامتناعهم عن القراءة أو ضآلتها على ما عداهم من الكُتّاب، متوهمين أن البديهة وحدها، أو الموهبة منفردة، بوسعها أن تكون كافية شافية كى تصنع كاتباً يدوم.
أفهم أن تعطى الفطرة السليمة، والقريحة المتوقدة، والذاكرة الطازجة، شخصاً يمسك بالقلم، فرصة هائلة كى يكتب نصاً فريداً، سرداً كان أو شعراً، أدباً أو فكراً، يضع فيه كل انفعالاته ومواجيده وانشغالاته وتصوراته وخبراته الذاتية، لكن إمكانية تحول هذا الشخص إلى كاتب صاحب مشروع، بصرف النظر عن النوع الذى يكتبه، يتطلب حيازة معرفة، لا يسلم بها، ويستسلم لها، ويعمل ويعمد إلى تكرارها وترديدها أو اجترارها، إنما يقوم بإمعان النظر فيها، يتأملها على مهل، وينقدها، ويضيف إليها، ويتجنب مزالقها، ويستر عوراتها، ويسد فراغاتها، فيفتح أمامها باباً واسعاً للنمو والتكاثر والانتشار.
والقراءة المتواصلة المتأصلة تجعل الكاتب قادراً على تقييم ما ينتجه من خلال وضعه فى مضاهاة مع ما ينتجه غيره، فبضدها تتميز الأشياء، ثم قياسه على ما خلفه السابقون على درب الكتابة، ليس لتقليدهم، أو اتباع خطاهم دون زحزحة يمنة أو يسرة، إنما لتوسيع هذا الدرب، وترسيخه، حتى تتقدم الكتابة دوماً نحو اجتياز حواجز، وارتياد مناطق مجهولة، وانطلاق إلى آفاق رحبة.
لكن ليست كل قراءة تؤدى بالضرورة عند جميع البشر هذه الوظيفة، فأغلب القراء ليسوا بكتاب، ولو تساوى الطرفان عدداً لصرنا أمام مشكلة عويصة، إذ لا يمكن لحياة ثقافية أن تمضى قوية عفية فى ظل ندرة فى القُرّاء، ووفرة فى الكُتّاب، لاسيما إن كان أغلب من يطلقون على أنفسهم كُتّاباً لا يلبون الحد الأدنى من الشروط المتعارف عليها، كى يحملوا هذه الصفة، التى أراها، بحق، عظيمة نبيلة.
وكل كاتب يقصد بالأساس أولئك القراء الذين يطالعون الكتب، بحثاً عن متعة وفائدة، ويهيم أكثر بأولئك الذين يدمنون القراءة، فإن مر يوم دونها يحسبه هؤلاء أنه قد ذهب سدى، وإن أتى الليل وعيونهم لم تصافح كتاباً، جافاها النوم، أو نامت مع لوم شديد للنفس، ووعد بالتعويض فى الغد، ولا انفكاك إلا بفعل هذا، ليخبو التوتر، وتهدأ الخواطر، وتسكين الأنفس المتعطشة للمعرفة والعلم.
يجب ابتداء، أن تحكم مسار القراءة الناجزة والنافعة والناجعة خمسة مبادئ أساسية، أولها أن نعى القاعدة الذهبية التى سبق أن وضعها نجيب محفوظ فى معرض نصيحته لأديب شاب وهى «القراءة بلا حدود وفى أى اتجاه»، وثانيها أن نعطى أولوية للكتاب الذى نختلف مع مضمونه وتوجهات مؤلفه، وليس الكتاب الذى يوافق رأينا وهوانا، إذ إن الأخير لن يضيف إلينا شيئاً كثيراً.
وثالثها ألا ندخل إلى القراءة متربصين بالكاتب، إن كنا نعرف من سيرته أننا على اختلاف فكرى معه، أو مع عنوان كتابه إن صدمنا، أو مضمونه إن لم يكن مألوفاً لدينا.
وهنا يجب أن نفرق بين ثلاثة مواقف أو أدوار: التعقب، والعقاب، والتعقيب، فالأخير هو الذى علينا أن نسلكه، ويكون فى صورة نقد بنّاء لما نطالعه، أما الأول والثانى، فيسقطان القراءة فى فخ الثأر والانتقام، وهو ما يفقدها دورها الحقيقى فى التنوير.
والمبدأ الرابع هو اليقظة التامة أثناء القراءة من خلال التأمل فيما نقرأه، وإعادة ما لم نفهمه للوهلة الأولى، ووضع الملاحظات فى هوامش الكتب، وطرح التساؤلات حول ما نريد أن نستفهم عنه، وإن كانت قراءتنا أكثر عمقاً فإنها ستساعدنا على توليد أفكار جديدة مما نقرأه، فيها نقد له أو إضافة إليه واستفاضة فيه أو إلهام مستمد منه.
ويمكن لمثل هذا القراءة أن تفرض علينا الاستزادة، فقد نقابل أفكاراً أو أسماء كتاب أو مصطلحات ومفاهيم تتطلب البحث عنها فى كتب أخرى.
والمبدأ الخامس هو تنوع القراءة، فالعلوم مفتوحة بعضها على بعض بلا حد ولا سد ولا انقطاع، ونحن حتى إن أردنا أن نقرأ فى مجال فلن نلم به كاملاً إلا إذا انفتحنا على ما يتقاطع معه، وما يحيط به، وما يختلط فيه من معارف، فنكون بهذا كمثل من أراد أن يتخير الجلوس تحت ظل شجرة لكنه يعمل قبلها على أن يرى كل الغابة من علٍ، حتى يُعيّن موقعه وموضعه جيداً.
وفق هذه المبادئ الخمسة نجد أمامنا صنفين من القراءة: وظيفية، وتعنى أن يقوم القارئ بالاطلاع على مادة معرفية أو علمية معينة بغية إعداد مادة أخرى فى الموضوع نفسه أو فى مسألة قريبة من هذا، وهو ما يفعله محترفو البحث العلمى والكتابة الصحفية أو الأدبية ومعدو الكتب بشكل عام.
أما الثانية فيقوم بها قُرّاء هواة شغوفون بالقراءة لأنها تشبع فضولهم إلى المعرفة، أو تمنحهم فرصة لتقضية وقت طيب، وبعضهم يؤمن بأن الكتاب خير جليس أو صديق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك