في قلب حي الأزبكية في محافظة القاهرة، يمتد شارع يحمل اسمًا مزدوج المعنى: شارع كلوت بك.
هذا الشارع ليس مجرد طريق عابر، بل هو مكان يختصر تلاقي التاريخ بالثقافة الشعبية، بين السهر وضحكات الناس، وبين علم الطب ونهضة مصر في القرن التاسع عشر.
هنا، يلتقي الماضي باللحظة الراهنة، ويصبح الشارع أيقونة حية تجمع بين الحياة اليومية والإرث التاريخي العميق.
في عشرينيات القرن الماضي، أصبح شارع كلوت بك مركزًا للحياة الليلية في القاهرة.
المقاهي والملاهى الليلية كانت تتلألأ بالأضواء، والموسيقى تتردد في أرجاء الشارع، بينما كانت بائعات الهوى يتجولن في المكان، في زمن كانت تُعرف فيه هذه المهنة بـ" المصرحة".
وأضفى هؤلاء النساء والأجواء الليلية على الشارع روحًا حية ومشاهد لا تُنسى.
الزوار من مختلف الطبقات الاجتماعية كانوا يتجمعون هنا، يضحكون ويرقصون، ويستمتعون بأمسيات مليئة بالمرح بعيدًا عن روتين الحياة اليومية.
الشارع أصبح مسرحًا للصخب والفوضى المنظمة، حيث اختلطت الألوان والضوضاء والضحكات في لوحة تعكس روح القاهرة المتحررة نسبيًا في تلك الحقبة.
أنطوان كلوت الطبيب الذي غيّر وجه مصر.
ورغم الطابع الشعبي للشارع، يحمل اسمه إرثًا تاريخيًا كبيرًا.
أنطوان كلوت، الطبيب الفرنسي المعروف بـ" كلوت بك"، تولى رئاسة أطباء الجيش المصري في عهد محمد علي باشا.
في عام 1827 أسس أول مدرسة للطب الحديث في أبو زعبل، في وقت كانت مصر تمر بحروب وانتشار الأمراض والأوبئة.
وحين اجتاح الطاعون البلاد عام 1830، كان كلوت بك في الصفوف الأمامية، ينظم المستشفيات، ويضع أسس العلاج والوقاية، ويقود جهودًا غير مسبوقة لإنقاذ الأرواح.
كما كان أول طبيب يدخل التطعيم ضد الجدري في مصر، بدعم محمد علي باشا، الذي كرمه بلقب" بك" تقديرًا لجهوده الكبيرة في النهضة الطبية.
تقديرًا لإسهاماته الطبية، قرر الخديوي إسماعيل إطلاق اسم كلوت بك على الشارع في الأزبكية، ليصبح المكان رمزًا لتاريخ نابض بالحياة والإنسانية.
بذلك، يحمل الشارع اسم الطبيب الفرنسي الذي أنقذ المصريين، ويظل شاهدًا على الفترة الذهبية التي شهدت تطور الطب الحديث في مصر، وسط ظروف صعبة وانتشار للأوبئة.
شارع كلوت بك اليوم مزيج التاريخ والحياة.
اليوم، لا يزال شارع كلوت بك يحتفظ بشخصيته المزدوجة.
المباني القديمة على جانبيه تعكس الطابع المعماري الذي شهدته القاهرة منذ أكثر من قرن، بينما تصطف المقاهي والمتاجر الصغيرة، لتذكّر الزائر بالماضيات المتنوعة: ضحكات السهرات وصخب الباعة وروح الأزبكية الحية.
الزائر هنا يمكن أن يتخيل مشاهد من تنظيم المستشفيات ومكافحة الطاعون، وفي الوقت نفسه يسمع صخب المقاهي وصرخات الباعة، ليصبح الشارع مساحة للذاكرة الحية التي تجمع بين التاريخ واللحظة الراهنة.
شارع كلوت بك ليس مجرد شارع، بل وجه مزدوج لمصر: جانب علمي وإنساني يمثل النهضة الطبية في القرن التاسع عشر، وجانب شعبي وحيوي يعكس حياة المدينة الليلية.
هو شارع يحكي قصصًا عن إنقاذ الأرواح وضحكات الناس، عن القاهرة التي لا تنسى تاريخها أبدًا، ويظل شاهدًا حيًا على قدرة المدينة على الجمع بين الأصالة والتجدد، بين الماضي والحاضر، بين العلم والسهر.
كل زاوية من الشارع تحمل عبق التاريخ وروح الناس، من بائعات الهوى في العشرينيات، إلى مقاهي اليوم، لتظل القاهرة نابضة بالحياة، وشارع كلوت بك أيقونة تجمع بين الأصالة والحداثة، بين العلم والمرح، بين التاريخ والحاضر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك