شيء شديد القسوة أن تقرأ خبراً عن اعتداء ابنة على والدتها المسنّة، أو ابن على أبيه الطاعن في العمر.
لا عذر لبنت أو ولد في هذه السقطة الأدبية والإنسانية الخطيرة، والحديث عن بعض أفعال الآباء أو الأمهات (كبار السن) الناتجة عن تدهور الصحة الجسدية والنفسية والعقلية ومحاولة التذرع بها لتبرير سوء السلوك وانحطاط الأخلاق معهم حديث فارغ من أي معنى.
فتحمل الأم والأب يكون في الكبر في الأساس، وليس في شبابهما.
ففي مرحلة الشباب يكون الأبناء والبنات بحاجة إلى الوالدين، إذ يعيشان في ظلهما، وينعمان برعايتهما، ويرشفان من حنانهما.
لقد ركّز القرآن الكريم على الإحسان إلى الوالدين في الكبر على وجه الخصوص.
كلنا سبق وسمع أو قرأ الآيات البينات من سورة الإسراء التي تقول: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً».
هناك فارق كبير بين ترديد الآيات أو ما تشتمل عليه من معانٍ باللسان والعمل بها في الواقع.
كثيرون يتحدثون باللسان حديثاً جميلاً نبيلاً عن الإحسان إلى الوالدين، لكنك لو فتشت في سلوكهم إزاءهما فستجده لا يخلو من سوء ورداءة.
الآيات صريحة في توجيه الأبناء إلى الإحسان للآباء والأمهات، فالرحمة بالوالدين في الكبر تمثل عين العدل معهما نظير تربيتهما للمرء في صغره.
يمكن للأب والأم الطاعنين في السن أن يرهقا أبناءهما وبناتهما، لكن ذلك لا يبرر الضيق بهما أو الضجر من أفعالهما، بل عليهم أن يتقبلوا الإرهاق بصبر وحب، بل أكثر من ذلك عليهم أن يقفوا أذلاء أمام الآباء والأمهات، ولا يخالفوهم فيما أحبوا، ولا يمنعوا عنهم ما يحبون، ويلينوا لهم كل اللين، ويرحموهم أعظم الرحمة.
العبرة في الإحسان إلى الوالدين تتجلى في الكبر، حين يمر بهما العمر، وتتضعضع الصحة، وتضعف الإرادة، وتتراجع القدرة، في الوقت الذي يكون الأبناء والبنات في عمر الشباب، بما يعنيه الشباب من إحساس بالقوة والسيطرة، والإرادة المستقلة، والقدرة على الفعل، في هذه المرحلة يظهر المعدن الطيب أو الخبيث لهم ومدى التزامهم بإسناد الأم والأب في كبرهما.
استمع إلى النبي العظيم، صلى الله عليه وسلم، وهو يقول في الحديث الشريف: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عند الكبر -أحدهما أو كليهما- فلم يدخل الجنة».
إدراك الأبوين أو أحدهما في الكبر فرصة لرد الجميل، على العاقل الذي يريد الجنة أن يستغلها.
حذار من لحظة تشعر فيها بأن الوالدين اللذين ضربهما الضعف والشيبة عبء عليك، استمتع بوجودهما في حياتك، واحفر في داخلك نهراً للعطاء لهما، فسوف تأتي عليك لحظة -بعد رحيلهما- تتمنى فيها لو عاد بك الزمان إلى عهد حياتهما لتنعم بالعطاء لهما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك