سواء تمكنت مريم شوقي صاحبة واقعة التحرش في الأوتوبيس الترددي بالمعادي من إثبات صحة ادعائها أم لم تتمكن، وسواء أُدين المتهم أم تمت تبرئته، ففي كل الأحوال نحن أمام ظاهرة نعلم جميعاً أنها موجودة ومنتشرة ابتلى بها المجتمع المصري منذ سنوات عديدة، لا يتسع المجال لتأصيلها والبحث في جذورها التي أعتقد في رأيي الشخصي أنها بدأت تتسلل بعد سياسة الانفتاح الاقتصادي في سبعينات القرن الماضي، والتي تشكل بداية مرحلة جديدة من تشوه الأخلاق في مجتمعنا، وبعد سفر مصريين كُثر بحثاً عن الرزق خاصة في الدول العربية، وقد ترك الكثيرون منهم أبناءهم وعائلاتهم فجمعوا المال وأضاعوا أشياء أخرى أكثر أهمية، وهو ما يعني أيضاً أن نصف قرن قد مرّ على بداية ظهور مثل هذه الظواهر الرديئة في مجتمعنا الذي كانت سمته الرئيسية هي الأخلاق.
واقعة «مريم» التي تعرضت فيها للسب والقذف والتنمر، ليست مثيرة للدهشة أو التعجب، فجميعنا قد تعرض بشكل أو آخر لمثل هذا سواء إحدى المقربات أو شاهدناها أو حتى سمعنا عنها، ولكن في النهاية لا تخلو ذاكرة أي منا من واقعة شبيهة، لكن الجديد في مثل هذه الوقائع أن كثيراً من الفتيات أصبحن يملكن من الشجاعة والجرأة على مواجهة المتحرش وفضحه، وهناك من يملكن شجاعة أكبر فيتجهن إلى الجهات الأمنية أو وسائل التواصل الاجتماعي، وهو تطور إيجابي يشهده المجتمع المصري، خاصة إذا ما كانت هناك أسر واعية تساند بناتها في الحصول على حقوقهن الإنسانية، وقاموا بتربية هؤلاء الفتيات على احترام أنفسهن وأجسادهن.
كما أن الدولة قامت بدورها بسَن القوانين حتى وإن كانت غير كافية، وأيضاً هناك تعاون مقدر من رجال الأمن في الأقسام وغيرها من محاور الارتكاز، والإعلام أيضاً يسلط الضوء على مثل هذه الحوادث ويدينها وينبه لخطورتها، كذلك الأعمال الدرامية يتناول الكثير منها بالاستهجان والانتقاد، وإن كان بعضها الآخر لا يستشعر المسؤولية ويغلفها بالكوميديا حيناً وفتوة بطل العمل حيناً آخر.
إذن هناك منظومة كبيرة تقف ضد ما يحدث، فأين المشكلة إذن؟ المشكلة الحقيقية تكمن في المواطنين بكافة المستويات، الذين لا يزالون واقعين تحت سيطرة النظرة الدونية للمرأة، والتي تقاس في الغالب حسب مظهر الفتاة أو السيدة، وغالباً ما يتم البحث على الفور عن سبب لإدانتها، في ملبسها أو ماكياجها أو سيرها في وقت متأخر، حتى وإن كانت ترتدي الحجاب وتغطي كامل جسدها، ولعل الكثيرين ممن عاصروا جريمة (فتاة العتبة)، التي كانت ربما أول وأشهر جريمة تحرش في تاريخنا المعاصر، وقد وقعت في نهار شهر رمضان لفتاة محجبة وكانت بصحبة والدتها وشقيقتيها ذهبن إلى العتبة لشراء لوازم العيد، وعند ركوبهن الأوتوبيس تم هتك عرض الفتاة وتمزقت ملابسها وسط جموع الناس، ولولا شهامة أمين شرطة اسمه صلاح الدين حلمي كان بالصدفة قريباً من المكان لكانت المأساة أكبر، وتم القبض على اثنين من المجرمين، بينما فرّ اثنان آخران، أما الكارثة الحقيقية فكانت في براءة المتهمين.
كانت تلك هي أول صدمة للمجتمع المصري في مثل هذه الجرائم، ولا أنسى أن الرئيس الراحل حسني مبارك قد تناول القضية في أحد خطاباته، والغريب أنه قال ما معناه أنه لو كانت الفتاة قد صفعت المتحرش لما كان قد تمادى، وكان هذا الأمر شديد الغرابة والاستهانة بفتاة فقيرة وقعت فريسة لمرضى مشوهين نفسياً، ومنذ ذلك الحين الذي لم يتم فيه ردع هؤلاء المجرمين، والأحداث والوقائع تتوالى، وحالات التحرش تتزايد، وتتزايد معها حالات الاغتصاب التي يصل أحياناً إلى القتل، والناس يدافعون ويتعاطفون مع الجاني كما لو لم تكن لهم بنات أو زوجات أو أخوات أو أمهات، وطالما لا يعرفون من الدين سوى المسارعة إلى صلاة الجمعة والمزايدة في مظاهر الدين.
إن آفتنا الحقيقية هي في الغياب الواضح للأخلاق ولصحيح الدين وللنظرة السطحية والمزايدة، لقد ابتعدنا كثيراً عن ديننا وأخلاقنا وبالتالي هويتنا التي عاشت آلاف السنين، حتى تبدلت وأصبحنا شعباً يبتعد شيئاً فشيئاً عن الشعب المصري الحقيقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك