لم يكن الإصلاح الصحي في المغرب مجرد خيار سياسي أو اجتماعي، بل كان ضرورة فرضتها التحولات الديموغرافية والوبائية والاقتصادية التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة.
غير أن المسار الإصلاحي الذي أطلقته الدولة منذ سنوات، رغم ما يحمله من طموحات كبيرة وشعارات مرتبطة بتعميم التغطية الصحية وتحسين جودة الخدمات، ما زال يواجه تعثرات بنيوية جعلت انعكاساته على الواقع الصحي محدودة، بل وأسهمت في بعض الأحيان في تعميق مظاهر الاختلال داخل المنظومة الصحية.
ويطرح هذا الوضع سؤال مركزي حول مدى ملاءمة النموذج الإصلاحي المعتمد للخصوصيات الاجتماعية والمؤسساتية المغربية، خاصة وأن جزء مهم منه يبدو مستورد من التجربة الفرنسية الخاصة بالوكالات الصحية الجهوية دون استيعاب كافٍ للفوارق البنيوية بين السياقين.
لقد شهد المغرب منذ الاستقلال سلسلة من الإصلاحات الصحية المتلاحقة، تم تكريسها من خلال عدة نصوص تشريعية واستراتيجيات قطاعية، وصولا إلى دسترة الحق في الصحة سنة 2011، ثم إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية والقانون الإطار المتعلق بالمنظومة الصحية.
ورغم هذه الدينامية التشريعية والمؤسساتية، فإن الواقع الصحي ما يزال يعكس وجود اختلالات عميقة في ضمان الولوج العادل إلى الخدمات الصحية، وهو ما يؤكد أن الإشكال لا يرتبط فقط بسن القوانين، بل بمدى قدرة هذه الإصلاحات على التكيف مع الواقع المغربي المركب.
إن إحدى أبرز مظاهر تعثر الإصلاح الصحي تتجلى في استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية في الاستفادة من الخدمات الصحية، حيث يظل العرض الصحي متركز في المدن الكبرى خصوصا في محور الرباط الدار البيضاء، مقابل هشاشة كبيرة في باقي الجهات.
هذا الاختلال يعكس غياب رؤية مجالية عادلة في توزيع الموارد الصحية، ويكرس نمط من التفاوت في الحق في العلاج بين المغاربة، وهو وضع يتناقض مع فلسفة الإصلاح القائمة على العدالة الصحية والتغطية الشاملة.
كما أن محدودية التمويل الصحي وصعوبة ضمان الاستدامة المالية للتغطية الصحية الشاملة تمثل أحد العوائق الكبرى أمام نجاح الإصلاح.
فرغم تعميم الحماية الاجتماعية، ما يزال العبء المالي للعلاج يقع بشكل كبير على الأسر بفعل عدم تحديث التعرفة المرجعية وجشع القطاع الخاص بفرض تكاليف خارج الفوترة، وهو ما يفرغ مفهوم التغطية الصحية من مضمونه الاجتماعي ويجعل الإصلاح أقرب إلى إعادة هيكلة تقنية للمنظومة منه إلى تحول اجتماعي شامل يضمن الحق في الصحة للجميع.
ويزداد تعقيد الوضع مع استمرار الخصاص في الموارد البشرية الصحية بالقطاع العام وسوء توزيعها الترابي، حيث يظل تركّز الأطباء والأخصائيين في المدن الكبرى أحد أهم معيقات تحسين جودة الخدمات الصحية في باقي الجهات.
ويرتبط هذا الاختلال بضعف التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية، وغياب مسارات واضحة للرعاية الصحية المنسقة، الأمر الذي يؤدي إلى سوء تدبير الحالات المرضية، ويؤثر سلبا على جودة التشخيص والعلاج.
ومن بين أبرز مظاهر تعثر الإصلاح كذلك ضعف اندماج القطاع الخاص داخل المنظومة الصحية الوطنية، حيث يظل هذا القطاع يشتغل في كثير من الأحيان خارج رؤية تكاملية مع القطاع العام، نتيجة ضعف آليات التنظيم والمراقبة، وهو ما يحد من إمكانية توظيف إمكانياته في تحسين العرض الصحي الوطني، ويجعل الإصلاح رهين ازدواجية هيكلية بين قطاعين لا يجمعهما منطق التكامل بقدر ما تفصلهما اعتبارات السوق.
كما أن ضعف تبني المقاربة الوقائية يظل من الاختلالات البنيوية التي تكشف محدودية الرؤية الاستراتيجية للإصلاح الصحي بالمغرب.
فالمنظومة الصحية ما تزال تميل إلى التركيز على العلاج بدل الوقاية، رغم التحولات الوبائية التي جعلت الأمراض غير المعدية تشكل النسبة الأكبر من أسباب الوفيات، وهو ما يتطلب إعادة توجيه السياسات الصحية نحو معالجة المحددات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للصحة بدل الاقتصار على التدخلات العلاجية التقليدية.
غير أن الإشكال الأعمق في مسار الإصلاح الصحي بالمغرب يرتبط بطبيعته الفكرية والمؤسساتية، حيث يبدو أن جزء مهم من هذا الإصلاح مستلهم من النموذج الفرنسي الذي يقوم على نظام جهوي واعتماد منطق التأمين الصحي المرتبط بالبنية المهنية والاجتماعية.
ورغم نجاح هذا النموذج في سياقه الأوروبي، فإن استنساخه داخل البيئة المغربية دون تكييف حقيقي مع البنية الاقتصادية غير المهيكلة، ومع التفاوتات الاجتماعية والمجالية العميقة، أدى إلى إنتاج منظومة هجينة لا هي قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية على الطريقة التضامنية، ولا هي نجحت في بناء سوق صحية منظمة وفق منطق المنافسة المنضبطة.
إن استيراد النماذج الإصلاحية دون دراسة دقيقة للخصوصيات الوطنية غالبا ما يؤدي إلى فجوة بين النصوص القانونية والممارسة الواقعية، وهو ما يفسر استمرار الطابع المركزي للمنظومة الصحية وضعف التكامل بين مختلف مكوناتها، إضافة إلى غياب مقاربة تشاركية حقيقية في صياغة السياسات الصحية تراعي احتياجات المواطنين ومهنيي القطاع على حد سواء.
إن تعثر الإصلاح الصحي في المغرب ليس مرتبط فقط بضعف الإمكانيات المالية أو البشرية فقط، بل يرتبط أساسا بطبيعة الرؤية الإصلاحية نفسها، التي ظلت في كثير من الأحيان رهينة المقاربات التقنية المستوردة بدل الانطلاق من تحليل سوسيولوجي وسياسي عميق لطبيعة المجتمع المغربي وتحدياته الصحية.
لذلك فإن أي إصلاح حقيقي للمنظومة الصحية يظل رهين ببلورة نموذج وطني للصحة يقوم على العدالة المجالية، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، وإعادة الاعتبار للوقاية، وإرساء حكامة صحية قائمة على التشارك والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن مستقبل الصحة بالمغرب لا يتوقف فقط على سن القوانين أو استيراد التجارب الدولية، بل يرتبط أساسا بمدى قدرة الدولة على إنتاج نموذج صحي يعكس خصوصياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ويجعل من الحق في الصحة واقع ملموس لا مجرد شعار إصلاحي يتكرر في الخطابات الرسمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك