وكالة الأناضول - الجيش الأمريكي ينفذ عملية إنزال في المحيط الهندي على ناقلة نفط قناة الغد - بوتين: مجموعة «بريكس» تستحوذ على 40% من الاقتصاد العالمي قناة الغد - ترمب يبشر بنجاح عظيم مع إيران ويوصد الباب أمام امتلاكها سلاحا نوويا فرانس 24 - تراجع عدد مشاهدي يوروفيجن هذا العام عقب مقاطعة دول للمسابقة بسبب مشاركة إسرائيل فرانس 24 - ميسي ضمن تشكيلة "كل النجوم" للدوري الأميركي قناة الغد - دعم أميركي وخطة دولية.. جهود لحصار إيبولا في الكونغو وأوغندا قناة الجزيرة مباشر - راديو وتلفزيون أيرلندا: رئيس الوزراء الأيرلندي يدعم فرض مزيد من الإجراءات ضد بن غفير وسموتريتش العربي الجديد - عودة الاحتجاجات البيئية إلى شوارع قابس بعد شهرين من الهدوء النسبي إيلاف - الجيش الأميركي ينفي إطلاق إيران طلقات تحذيرية على سفن حربية في خليج عُمان العربي الجديد - الأمم المتحدة تنفي مزاعم توطين المهاجرين في ليبيا
عامة

"هوانم" الرسام مصطفى رحمة تتجلى بأبعادها الفانتازية

Independent عربية
Independent عربية منذ 3 أشهر
1

متى برز الفن في حياة البشر؟ ومتى تعلم الإنسان إشعال النار؟ ومتى أدرك أن الخط أثر، وأن اللون معنى؟ متى انتبه لصوت الحجر وهو يخدش على جدار الكهف، فاكتشف أن للذاكرة شكلاً؟ ومتى تحولت يد الصياد من أداة بق...

ملخص مرصد
لوحات الفنان المصري مصطفى رحمة تقدم قيامة بصرية تخلد جمال "هوانم زمان" المصريات، مستوحاة من التراث الشعبي والفلكلور المصري. يستخدم رحمة منظوراً علوياً حراً وشخصيات نسائية مكتنزة محاطة بعوالم موسيقية وحيوانية ورمزية، معتمداً على ألوان دافئة وتركيبات أيقونية تعكس وعياً جمالياً متقدماً.
  • يخلد رحمة جمال "هوانم زمان" المصريات بأجساد مكتنزة وحركة رشيقة.
  • يستخدم منظوراً علوياً حراً يشبه "عين الطائر" في المنمنمات الشرقية.
  • يحيط النساء بعوالم موسيقية وحيوانية ورمزية مستوحاة من التراث المصري.
من: مصطفى رحمة أين: مصر

متى برز الفن في حياة البشر؟ ومتى تعلم الإنسان إشعال النار؟ ومتى أدرك أن الخط أثر، وأن اللون معنى؟ متى انتبه لصوت الحجر وهو يخدش على جدار الكهف، فاكتشف أن للذاكرة شكلاً؟ ومتى تحولت يد الصياد من أداة بقاء إلى يد ترسم وتؤرخ وتحلم؟ هل كان الفن ترفاً لاحقاً على الشبع بعد الجوع، أم كان جوعاً من نوع آخر، لإشباع حاجة الروح من جوع المعنى؟ في لوحات مصطفى رحمة، لا يبدو الفن كفعل جمالي معاصر فحسب، بل كامتداد قديم لذاكرة الإنسان الأولى، كأن الريشة تكمل ما بدأه ذاك الخارج من الكهف المتمرد على الوهم، وكأنني أرى الوعي والفن يسيران يداً بيد.

ممارسة أعباء الحياة تشعرك بالاغتراب، ووتيرة العمل المحمومة، وتشعبها، ونمط الإنتاج الرأسمالي الذي يضغط الحياة في قالب الاستهلاك، تسهم جميعها في إفقار الروح، فتحول الإنسان شيئاً فشيئاً إلى كائن مستهلك، يقل التفاته إلى الجمال، ويبهت حسه بالدهشة.

وهنا يأتي الفن لا بوصفه زينة على هامش الحياة، بل كفعل إنقاذ رمزي، يعيد الإنسان للصدارة، ويرجعه إلى مركز الفعل في الحضارة والمعنى.

وعندما تثقلك الممارسة اليومية للحياة، ويتسلل الاغتراب إلى الروح بصمت تأتي مثل هذه اللوحات كمساحة استراحة للوجود، تعيد للداخل توازنه وسكينته، لتعلن أن الحياة أوسع من أن يحاصرها العقل بمقولاته الصارمة، ومنطقه المجرد، وفلسفاته المغلقة، الحياة تفهم أيضاً بالصورة، وتمس باللون، وتقال بما تعجز عنه الكلمات.

تأخذنا يد الفنان التشكيلي المصري مصطفى رحمة إلى عوالم بصرية تعكس وعياً متقدماً، يفكك الأوهام المقدسة، ويقيم على أنقاضها عالماً جديداً من الرؤية والاحتمال.

تشعر وكأنه لا يعرض لوحات بقدر ما يدعوك إلى دخول متأن في عالمه المركب والثري، عالم يضعك في حالة تماس مباشر مع دهشة الاكتشاف الأولى، كأنه يعيد تمثيل لحظة اكتشاف النار والرسم، ولكن بأدوات معاصرة تمكنه من التمدد خارج الأنساق التقليدية للرؤية، ويظهر ذلك بوضوح في تخليه الواعي عن المنظور الكلاسيكي الذي كرس منذ عصر النهضة، واستبداله بمنظور علوي حر، دفع بعض النقاد إلى تشبيه أعماله بالمنمنمات الشرقية التي اصطلح على تسميتها بـ" عين الطائر"، أو بمنظور العنقاء وأحياناً السيمرغ في واقعتها البصرية الرمزية.

مصطفى رحمة، الذي خاض تجربة تعلم الرسم بوصفها مساراً فردياً طويلاً، راكم خبرته وقوة خطه من بساطته وتلقائيته، ومن المناخات الفنتازية التي تغمر أعماله.

وقد تشكلت هذه الخصائص في رسوم الأطفال، إذ ابتكر عدداً من الشخصيات لعل أبرزها وأكثرها حضوراً شخصية" كسلان جداً" الراسخة في الذاكرة الجمعية العربية، عبر اشتغاله بمجلة" ماجد" ذائعة الصيت لأكثر من ثلاثة عقود.

وعلى سبيل المقاربة لا المقارنة فإنني أجد أن الإحالة البصرية في أعمال رحمة ذات علاقة بنساء الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو، وهنا يكمن ذكاء رحمة في خلق قيامته المصرية الخاصة وتخليصها من أصابع بوتيرو بذكاء حاد، على رغم إعجابه الشديد بالفنان الكولومبي، فهو لم يستعر منه إلا المبالغة بأحجام النساء التي تعمل على تأكيد انحيازه لتخليد جمال الهوانم المصريات واستعادة" الحنين لزمان ولى ولن يعود".

إنهن" هوانم زمان"، هوانم ما قبل هبوب رياح ورمال ما أطلق عليه بالصحوة، ولكي يجعل الهانم بجسدها المكتنز، الذي لا يعوقه اكتنازه عن الحركة الرشيقة، تشعرك وكأن كل شيء موجود من أجلها، ويكتسب أهميته وقوته من خلال وجودها، ولأن نساء الفنان يدخلن نسيج عمله الفني وبنيته الداخلية وحبكته التصويرية كنوع من المقاومة بالجمال، لذا نجده يحيطهن بعالم كامل يواصل حياته من حولهن، وتكاد تشعر أن كل شيء شبيه بموسيقى محتفظ بها، ونابضة ليجعل النساء أكثر جمالاً وحضوراً وقدرة على إرجاع العالم إلى جوهره.

الموسيقيون بآلاتهم التي تبدو وكأنها أجساد ممسوسة بلطف مصري تؤدي دورها بالطريقة ذاتها التي تقوم بها الحيوانات، والطيور، والمهرجون، والراقصون، وأولاد البلد بجلابياتهم الواسعة التي يخفق فيها الأطفال، والوصايا المنزلية، والعرائس، وملائكة مجنحون صغار بسحنات خرجت من الكتب القديمة وتدفقت إلى سطح اللوحة.

يحرص الفنان رحمة على جعل المتلقي شريكاً له في العمل، فيترك له حرية اكتشاف مجموعة من الجمل المفتاحية التي تقوده إلى تفكيك رموزه وإحالاته، فلا يجعل من نفسه وصياً على مخيلة المتلقي كالشاعر التي تمتلئ قصيدته بالرموز القابلة لتأويلات عديدة، وهو يدرك أن كل قراءة هي في جوهرها طبقة من طبقات العمل تمنحه الكثافة والغنى، وتحرك في المختبر الداخلي للمتلقي عالماً مخبوءاً ينتظر أن يقفز إلى الخارج، ويقول الفنان عن هذا الأمر: " إن تأويل العمل وسيرته الداخلية ليست مهمتي، فليس للفنان أن ينصح ويوجه الجمهور، إنما هو فقط يوحي له عبر أعماله بالمشاعر وجماليات الحياة، يساعده أن يحس بالبهجة والحب والسعادة".

وضع الفنان الهانم كبؤرة مركزية في عمله في مجتمع ذكوري جامد، وأحاطها بمجموعة لونية حارة، فهي هنا لم تعد مفردة في العمل، بل حالة كاملة أخذت هيئة طولية من أعلى سقف العمل حتى الربع الأخير منه في جلسة طقسية ولعوبة معاً، أما رهانه على اللون الأصفر لثوب المرأة وشعرها فكان دوره أساسياً في الموازنات اللونية للسطح التصويري، ونجد الأصفر ومشتقاته في درجة أخرى تظهر في شخصية المهرج نفسه وبالصورة البصرية، أي الثوب الأصفر والقبعة الصفراء في متلازمة جمالية أخاذة.

في حديث لإخوان الصفا عن النفوس الشريفة يرد أن كل ما حولنا له وجود كامل ومستقل، وقادر على التسلل بخفة إلى حياة الأشياء من حوله، فكما أن للإنسان نفساً شريفة وروحاً لطيفة، كذلك الأمر للحيوانات والنباتات وسائر أنواع الجماد.

فالحياة بهذا المعنى شراكة تتنافذ بين النفوس وتصنع ماهية الوجود، وفي لوحة أيقونات مصرية التي أنجزها الفنان مصطفى رحمة في عام 2025 بمواد مختلفة على القماش، نشعر بهذا التكامل وقدرة العناصر على صناعة الحدث، فالبناء الأيقوني الذي يجعل جميع المفردات موجودة من أجل إبراز دور المرأة وتأكيد مركزيتها في اللوحة، كما في الحياة، هو أمر خارج البناء التقليدي والقواعد الأكاديمية لفن الرسم، وهذا ما اصطلح عليه بين دارسي فن المنمنمات الإسلامية بالمنظور المقدس أو عين السيمرغ (الطائر في كتاب منطق الطير لفريد الدين العطار).

وهذا البناء والخطوط الرشيقة والتكوينات الدافئة هي مجموعة من المفردات التي تسللت من تأثره برسوماته للأطفال التي تمثل عاملاً مساعداً في رسم لوحاته، مرجعاً ذلك إلى" أن رسومات الأطفال تبدأ من تحدي القواعد" كما ذكر بنفسه.

وعلى جانبيها مهرجان يواصلان العزف على آلتي الكونترباص والكمان على التعاقب لإدامة سعادة الهانم، وتظهر براعة الفنان في معالجة الملابس بالألوان الحيادية (الأسود والأبيض) على خلفية دافئة من مشتقات اللون الأصفر، أما الرقش على ملابسهما فأجد فيه إحالة إلى المرأة التي رمز لها بالنجمة الخماسية، وهو من الرموز القديمة الدالة على الأنوثة والخصب، والدائرة التي من دلالاتها الكمال والاكتمال.

أما في أسفل الثلث الأخير من اللوحة وعلى جانبها الأيمن يظهر قط مصري يمثل عند قدامى المصريين التجسيد الحي للمعبودة" باستت" إلهة الرأفة والحب والخصوبة، والحماية والنعمة واللطف، وفي الخلف وبحركة متوثبة يظهر قرد البابون الذي يرمز عند الفراعنة للحكمة والذكاء والمراقبة، إذ ارتبط بالإله" تحوت" إله الحكمة والكتابة، وكان يعتبر حارساً ذكياً لا يمكن خداعه، وظهر في النقوش كحارس في مشاهد الميزان.

ولا تخفى دلالتهما وارتبطاها الوثيق بالمرأة التي تشكل هاجساً للفنان وعلامة فارقة في تجربته وحضوراً رمزياً للحياة ذاتها، فلقد أراد الفنان الإشارة إلى ما تمثله المرأة من قيمة كبرى.

كما نجد أن الفنان لم يستعمل الألوان الباردة في عمله، فلقد أراد أن تزخر لوحته بالحياة والدفء والجمال، وأن يكون بناؤه الأيقوني بكل تمثيلاته البصرية والتكوينية حالة متكاملة في هيئة منمنمة عملاقة تشير بقوة إلى قيامة مصرية معاصرة.

ويحرص الفنان مصطفى رحمة في مناسبات عديدة على رسم الشمس والهلال بطريقة مستمدة من الفولكلور الشعبي المصري، ويجعلهما شاهدان على عوالمه الفنتازية التي تنتج نوعاً بالغ الندرة من الدهشة والحيوية بخطوط ومعالجات رشيقة، وبناء رصين، وتكوينات متقنة متكئة على فكر ووعي تنويري.

الفن يعيد الإنسان لإنسانيته، يأخذك الفنان من خلال الصلابة في البناء التصويري إلى عالم يخرج من الشارع ليدخل في اللوحة، بل أحياناً تشعر وكأن الذاكرة انفلتت فجأة، فخرجت مجموعة من الهوانم اللاتي يبرع في تصويرهن بأشكال عديدة، أو مجموعة من جمهور الست أم كلثوم، يقفون تحت مشربية ما ويرددون للمارة: سعيدة يا هانم سعيدة يا أفندم.

المرأة المكتنزة، سمة رافقت أعماله منذ بواكيرها، فتشعر بهذه المرأة التي تحمل عنزة بيضاء وديعة لتعزيز مفهوم البراءة، كما لو أنها خرجت لتوها من حفلة للست، إنها بتعبير آخر هانم مصرية تتمسك بالحياة وتكابدها بطقس احتفالي يدفعنا إلى عوالم القصص الشعبية ونساء ألف ليلة وليلة، التي أكد بصددها الفنان رحمة أنه" يدين لها بالفضل الأول في تكوين وعيه الجمالي وجميع مفاهيمه".

إنها قيامة مصرية بامتياز تمتزج فيها الحكايات بالأساطير المحلية في عالم من الجمال.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك