في تلك المسافة الدافئة بين الليل والنهار، حيثُ تنسلُّ الذاكرةُ من شرنقة النوم، ويستعدُّ الوعي لاستقبال وقع الأقدام على أرض الواقع، كان هناك طقسٌ مُقدَّسٌ
طقسٌ لا يقلُّ قداسةً عن صلاةٍ، أو تأمُّلٍ صوفي.
كان الشاعرُ محمود درويش يحتسي قهوته الصباحية.
لكنَّ هذه القهوةَ لم تكنْ سائلاً غامقاً في فنجان، بل كانت مذاقاً آخرَ للوجود، مُركَّزاً في عمودٍ صحافيٍّ يصلُ إليه مع نسيم الفجر.
كانت قهوةً من ورق، تُحْضَرُ بصبرِ الأديب خيري منصور، وتُقَدَّمُ بكأسِ اللغةِ الصافية.
في هذا التلاقي الحميم بين شاعرٍ ينسجُ الكونَ من أنغامٍ غامضة، وصحافيٍّ يحوكُ درعَ المعنى من خيوطِ اليوميِّ العادي، تكمنُ حكايةٌ عن المناعة؛ مناعة الروح في وجه العَدَم، ومناعة الكلمة في وجه العَبَث.
لم تكنْ قراءةُ العمودِ مجرَّدَ اطلاع، بل كانت استعارةً كبرى: فكما يحتسي المتصوِّفُ قهوته ليَصْحُوَ على الحقيقة، كان درويش يحتسي كلماتِ منصور ليَصْحُوَ على الشعر.
كان خيري منصورُ ساحراً، من ذلك النوع النادر، الذي يستطيعُ تحويلَ رملِ الأحداثِ اليوميةِ إلى زجاجٍ شفَّاف، نرى من خلاله تشعُّباتِ التاريخِ وأعطاب النفسِ البشرية.
لم يكن يكتبُ عن الحدث؛ بل كان يستنطقُ صمتَه، ويفتشُ في هوامشِه عن النارِ التي أوقدته.
كانت مقاربتهُ أشبهَ بعملِ النحاتِ الذي لا ينظرُ إلى كتلةِ الرخامِ، بل إلى التمثالِ المُحتَجِزِ في أحشائها.
كان يأخذُ الخبرَ السياسيَّ الفجَّ، المُغطَّى بغبارِ التكهناتِ والصراخ، فيغسلهُ بسَكْبِ التأمُّلِ عليه، حتى يَبرُزَ جوهرُه الإنسانيُّ الصافي.
كانت كتابتُه عمليةَ تنقيةٍ كيميائيّةٍ للواقع.
لغة، كانت تشبهُ سيفاً من ضوء: حادَّةً في دقتها، رقيقةً في مَسّها، لا تَجْرَحُ إلَّا لِتُنْبِتَ وعياً جديداً مكانَ الجرح.
كان أسلوبُه مَشْياً على حَبْلٍ مشدودٍ بين قلبِ الشاعرِ وعقلِ الفيلسوف، فلا يسقطُ في دراما العاطفةِ الجيّاشةِ، ولا في جفافِ التجريدِ المُتعالي.
لقد أدركَ هذا الرجل، بعُمقِ بصيرةِ الحكيم، أنَّ الصحافةَ في أوطانِ الأسى ليست حرفةَ نقلٍ، بل هي مهمةُ إنقاذ.
إنقاذِ الذاكرةِ من النسيان، وإنقاذِ اللغةِ من الابتذال، وإنقاذِ العقلِ الجماعيِّ من الاستسلامِ للسَّطحيِّ والجاهز.
كان عمودُه مُختَبَراً فكرياً تَجري فيه، كلَّ يوم، تجارب على روحِ الأمة.
يُحلِّلُ الخبرَ إلى عناصرَه الأولية: الخوف، الأمل، الغضب، الحلم، الخيانة، البطولة.
ثمَّ يعيدُ تركيبَهُ في صورةٍ أوسع، هي صورةُ المصيرِ الإنسانيِّ نفسه.
وهنا كان سِرُّ جاذبيتهِ التي تخطَّتْ قرَّاءَ الصحيفةِ إلى شاعرٍ بحجمِ درويش.
لقد قدَّمَ للشاعرِ، في لحظةِ استعدادهِ للإبحارِ في بحرِ القصيدةِ الهائج، خريطةً بديلةً للملاحة: خريطةً لا ترسمُ الخطوطَ العريضةَ للبرِّ والبحرِ فحسب، بل ترصدُ أيضاً أعماقَ التياراتِ وتوقُّعاتِ العواصفِ في نفسِ الإنسانِ والجماعة.
تأمّلْ، بعينِ الخيال، ذلك المشهد: الصباحُ الباكر، صمتٌ يقطرُ نَدى، وورقةٌ صحيفةٍ تَحملُ بين طيَّاتها عالَماً مكتملاً من الفكرِ المنظَّم.
إنه ضربٌ من السحرِ التوازنيِّ.
فالشاعرُ الذي يعيشُ على حافةِ الهاويةِ الوجودية، حيثُ تذوبُ الحدودُ بين الحلمِ والوطنِ، وبين الذاتِ والآخر، كان في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى صوتٍ آخرَ يؤكِّدُ له أنَّ للعالمِ منطقاً، وأنَّ للفوضى نظاماً خفيّاً، وأنَّ للكلمةِ سلطةً على الفوضى.
كانت مقالاتُ منصورِ هي ذلك الصوتُ الواضحُ، الثابتُ، الذي يُشبهُ نغمةَ البيانوِ التي تُضبَطُ عليها باقي الآلاتِ في الأوركسترا.
كانت تُهَيِّئُ له فضاءً داخلياً مُرَتَّباً، يَنْطلقُ منه إلى فضاءاتِه الشعريةِ اللامتناهية.
كانت صداقتُهما نسيجاً رفيعاً من الحوارِ الصامتِ بين جنسينِ من الكتابةِ يلتقيانِ عند القناعةِ بأنَّ صناعةَ الجمالِ هي أرقى أشكالِ المقاومة، وأنَّ صياغةَ الوعيِ هي أوَّلُ خطواتِ التحرُّر.
في زمنِنا هذا، زمنِ الطنينِ الرقميِّ والمعلومةِ السريعةِ التي تموتُ قبلَ أنْ تُولَدَ، تطلُّ علينا كتابةُ خيري منصور كَصَحْراءَ واسعةٍ هادئةٍ في وسطِ إعصارٍ.
تذكِّرنا بأنَّ الكتابةَ يمكنُ أنْ تكونَ بيتاً للروح، لا محطةً عابرةً للانتباه.
لقد رفضَ أنْ يكونَ صدىً للضجيج، واختارَ أنْ يكونَ صوتَ الصمتِ العميقِ الذي يليقُ بالأشياءِ الجليلة.
كتبَ عن الهزيمةِ من دونِ إحباط، وعن الثورةِ من دونِ تهريج، وعن الحبِّ من دونِ عاطفةٍ رخيصة.
كان يشبهُ النهرَ الجوفيَّ العظيمَ الذي يجرِي بهدوءٍ تحتَ صخبِ المدينة، ليُغَذِّي ينابيعَ الفكرِ في أماكنَ لا يُحسَبُ لها حساب.
كان نقدهُ تشريحاً من أجلِ الفهم، لا من أجلِ الإيذاء.
كان يبحثُ، دوماً، عن البذرةِ المضيئةِ في قلبِ الظلام.
ولذا، فإنَّ قراءةَ تراثِه اليومَ ليست رحلةً في الماضي، بل هي استعارةٌ لأدواتٍ للحاضر.
لن تجدَ فيها أخبارَ الأمس، بل ستجدُ فيها تشخيصاً لأمراضِنا اليوم، وربَّما وصفةً لجروحِ الغد.
كانت مقالاتُه يومياتِ عقلٍ جماعيٍّ يمرُّ بأزمةٍ وجودية.
وكان هو الطبيبَ الفيلسوفَ الذي يضعُ السماعةَ على صدرِ التاريخ، ويسمعُ دقاتِ القلبِ الضعيفةَ، التي تعلنُ أنَّ الحياةَ لا تزالُ مستمرة.
لقد جَسَّدَ فكرةً عظيمة: أنَّ الصحافيَّ يمكنُ أنْ يكونَ مؤرِّخَ اللحظةِ الراهنة، وشاعرَ تفاصيلِها المخفية، وفيلسوفَ أسئلتِها المصيرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك