مع ما يحمل عنوان رواية" الاختباء في عجلة هامستر" للكاتب المصري عصام الزيات (دار دون 2025)، من دلالات رمزية، تبدو عادية في بدايتها، غير أن الاستمرار في القراءة يكشف عن سرد يتعمق في عوالم مصرية أقل حضوراً من غيرها.
فالأحداث لا تدور في مدينة القاهرة كما هو معتاد، إنما تغوص في المجتمع الصعيدي لمحافظة الأقصر، في حين تجري بقية الأحداث في طنطا، فيتعرف القارئ على عادات لم يسمع عنها من قبل وفضاءات مكانية مختلفة.
وقد يذكر هذا العمل الروائي لكاتب شاب من مواليد عام 1993 بالكلاسيكيات المصرية، في بساطتها اللغوية وحميمية بيئتها الثقافية المحلية، وهو ما يمنحها ميزة الهوية السردية التي تفتقدها أعمال كثيرة في أيامنا.
عجايبي وعمران بطلان لحكاية واحدة.
قد لا يكون الحدث الافتتاحي لرواية" الاختباء في عجلة هامستر" مثيراً بما يكفي للفضول، فالسرد ينطلق بتمثيلية لجريمة قتل ارتكبها زوج يدعى عجايبي، ويجري التمثيل في أحد أحياء الأقصر، وسط حضور الشرطة والجيران المتفرجين، ليتبين المحققون ما إذا كان المتهم قد ارتكب الجريمة مع سبق إصرار وترصد، أم أنه قتل زوجته إنجي بعد شجار وقع بينهما في لحظة غضب، كما ورد في إفادته.
وهو ما يجعل الفكرة الافتتاحية لجريمة شرف مستهلكة بعض الشيء، ولكن سرعان ما ينتقل السرد إلى شخصية جديدة، يجسدها طبيب نفساني يدعى عمران، يسافر في رحلة طويلة بالقطار من طنطا إلى الأقصر، كي يصل إلى مستشفى آمون في منطقة معروفة باسم" عزبة جهنم".
تكتسب الأحداث نفساً حيوياً جديداً حين تروى بصوت عمران، إذ يصف رحلته الليلية في القطار بتفاصيلها، متوقفاً عند إحساسه بالبرد وصعوبة الاستسلام للنوم، إضافة إلى ما أحسه من ضجر خلال ساعات الرحلة الطويلة، فهو لم يجلب كغيره من المسافرين، وسادة مريحة للعنق، ولا سماعات أذن تعزله عن المحيطين به، ولا حتى دفاية من الصوف تخفف عنه البرد، مما جعله يتردد على الحمام أكثر من مرة، مضايقاً الراكب الجالس إلى جانبه.
يصف الغرباء المحيطين به وتفاعله معهم، لينقل الزيات من خلال هذا الوصف الدقيق قارئه إلى قلب المشهد، وينجح في الاحتفاظ بفضوله لمعرفة إلى أين ستصل الشخصية، وكيف سيجد الطبيب المستشفى الجديد، والعمل ضمن روتين مختلف مع زملاء غريبي الأطوار، ومرضى يتحدثون بلهجة مختلفة، ولديهم طريقتهم المتأثرة بالعادات والتقاليد في التعامل مع أمراضهم العضوية والنفسية.
ولعل تخصص الكاتب في مجال الطب، منح شخصية عمران قدراً كبيراً من تراكم خبراته الشخصية وتجربته الذاتية في بناء سرد منطقي ورسم ملامح شخصية روائية مقنعة، يمكن تخيلها وتقبلها والتفاعل معها كما لو كانت موجودة فعلاً في الواقع، ففي النهاية مهما كان العمل متخيلاً، يبقى ما يشد القارئ إلى النص هو ما يبدو حقيقياً وقريباً من واقعه.
يعد عجايبي وعمران في هذا العمل بطلين لحكاية واحدة، ولا يتضح الرابط بينهما إلا في منتصف السرد.
وهما شخصيتان رئيستان تحركان الأحداث، وتتفرع عنهما الشخصيات الثانوية من بداية الرواية حتى نهايتها، بالتناوب في فصول معنونة باسميهما.
وإذا كان السرد يروى بضمير المتكلم من وجهة نظر عمران، فإنه يروى بضمير الغائب أو الراوي العليم، عندما تتعلق الأحداث بشخصية عجايبي، الذي حضر بوصفه شخصية غامضة ومنطوية، تعاني تعقيدات نفسية، وظروف اجتماعية صعبة تفاقم صراعاته الداخلية، وتعكس خيبات آلاف المصريين من الطبقة الكادحة، أولئك الذين يولدون بطاقات ذهنية عالية وبمواهب واعدة، لكن طموحاتهم تدفن وتتراجع بفعل قسوة الظروف وفساد المنظومات الحكومية والتربوية.
هكذا يجد كثيرون أنفسهم في وضع شبيه بوضع عجايبي، الذي كان نموذجاً لطالب متفوق في تخصص الهندسة، قبل أن يضطر نتيجة إلى ما تعرض له من ظلم في الجامعة إلى العمل كسائق ميكروباص، ملاحقاً خبز يومه.
كثيراً ما كان مشهد ركض حيوان الهامستر على عجلة في قفصه، رمزاً لدورة حياة الإنسان المعاصر، إذ يعبر عن تغير العصر بعد الثورة الصناعية، وكيف أثر ذلك في إيقاع الزمن وإحساسه بالوقت في ظل ظروف الركض وراء لقمة العيش، وحياة مستنسخة لملايين البشر حول العالم، يعيش معظمهم أسلوب الحياة ذاته.
يولد الفرد ويتلقى التعليم إن كان محظوظاً بالعيش في دول توفر له حق التعليم، وبعد تخرجه تتلخص مشاريعه في العثور على وظيفة، وتأمين المال لعيش حياة كريمة وتكوين أسرة وإنجاب أطفال، ليواصل الركض حتى يخذله جسده بالتقدم في العمر ومتاعب الشيخوخة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
هذا الركض المستمر بلا توقف، وبلا مغامرات ولا مخاطرة لكسر المألوف، كثيراً ما يذكر بركض الهامستر على عجلته، وهو غارق في متعته الوهمية، التي حاول الإنسان تعويضه بها عن الركض طليقاً في الطبيعة، فيخلق له لعبة تساعده في حرق طاقته وسعراته الحرارية حتى لا يكتسب الوزن ويموت.
وهو ما يطابق قصة بطل حكاية عصام الزيات، الطبيب الذي يكتشف في تأملاته أنه أسير لرتابة الحياة الأسرية والمهنية، وأنه يدور في مكانه من دون أن يخرج عن روتين أيامه، مما يضعه في ظروف نفسية تدفعه للتورط بتجربة مختلفة تحرف مسار حياته.
تبدو الفصول الأخيرة من رواية الاختباء في عجلة هامستر، أكثر هشاشة وضعفاً في البناء مقارنة بالجزء الأول، الذي انطلق ببطء، لكنه كان محكماً ومقنعاً، على عكس الأحداث الأخيرة التي تبدو في طريقها إلى الانفلات، ليس بوصولها إلى العقدة ولا المنعطفات التي تسلكها الشخصيات، إنما في غرابتها وعدم منطقية مبرراتها.
يبدأ ذلك بتباطؤ الأحداث في مشاهد الطبيب، إذ تتضمن محاولاته لإنقاذ رضيع على وشك الموت، لحظات تغزل صامتة بوالدته وتأمل لجمالها، مع إسهاب في وصف شاعري على لسان الطبيب.
وهذا ما يخل بإيقاع الحدث نفسه الذي يتطلب وتيرة أسرع ولغة سردية عملية تتناسب مع اجتهاد الطبيب لإنقاذ حياة طفل يحتضر، فيأتي هذا الحدث مشتتاً وشاذاً عن سياق المشهد المعقول، فضلاً عن غرابة الفقدان التام لذاكرة شخصية عمران طوال أسبوعين.
وعلى رغم محاولات الكاتب تبرير النسيان، إلا أن تلك المبررات لا تبدو كافية أو مقنعة.
اختتام الرواية بنهاية ميلودرامية، تشمل مشهد محاكمة يحاكي مشاهد عرضت كثيراً في السينما المصرية، مع حوارات تعتمد على التصعيد العاطفي ومفاجآت اللحظة الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك