يحمل المهرجان العالمي أسئلة قديمة متجددة حول موقع هذا الحدث الثقافي الكبير في خريطة تتغيّر فيها السياسة والذائقة وصناعة الصورة وأساليب عرضها.
ليست المسألة في عدد الأفلام المشاركة (300 فيلم من جميع أنحاء العالم موزّعة على أقسام متعددة)، ولا في غياب مشاهير الإخراج الذين صنعوا مجد مهرجانات مثل" كان"، وإنما في الروح التي يريد المهرجان أن يعيد تعريف نفسه من خلالها، وفي الرهان الذي يضعه على السينما كلغة جامعة وسط عالم مفكك يعاني من ظروف سياسية واقتصادية وأخلاقية.
تحت اشراف المدير الفني السابق ديتر كوسليك (2001 - 2019)، حاولت الـ" برليناله" أن تكون مهرجاناً ذا وجهين: احتفالياً جماهيرياً من جهة، ومنصة لسينما المؤلف الجريئة والنخبوية التي تدحض المسلّمات من جهة أخرى.
هذا التوازن الدقيق تعرّض في السنوات الأخيرة لاختبارات صعبة وخضات متتالية، في ظل تراجع حضور الإنتاجات الهوليوودية الكبرى، وتصاعد النقاشات السياسية والأيديولوجية التي طغت على النقاش الجمالي.
الدورة الحالية تبدو، في ظاهرها، محاولة لصناعة مهرجان من نوع آخر، أقرب إلى لوكارنو منه من كان.
لكن هذا كله مجرد تأويلات وتكهنات بناء على قراءات مسبقة، إذ لا يمكن الحسم في هذا المجال إلا بعد نحو عشرة أيام، عندما نكون قد انتهينا من المشاهدات التي تمنح للرأي شرعيته.
المسابقة الرسمية تضم هذا العام 22 فيلماً من القارات الخمس.
تكشف خريطة المسابقة عن ميل واضح إلى السينما الأوروبية والغربية عموماً، مع حضور آسيوي محدود بفيلمين فقط، وأفريقي بفيلمين كذلك، في مقابل ثقل أوروبي يناهز نصف العناوين.
هذا التفاوت العددي لا يلغي التنوّع الموضوعي والشكلي، إذ تتجاور الدراما التاريخية مع الخيال، وسينما التحريك مع الواقعية الاجتماعية، والحكايات العائلية الحميمة مع السرديات السياسية المشحونة.
من أقصى بقعة في الأرض، يأتي الفيلم الأوسترالي" وولفرام" لورويك ثورنتون، مستعيداً حكاية شقيقين يهربان من استغلال المناجم في رحلة عبور قاسية عبر الصحراء.
هنا، تعود موضوعة البقاء إلى الواجهة كتأمل في ذاكرة السكان الأصليين وفي العنف البنيوي الذي طبع تاريخهم.
في المقابل، يحمل فيلم التحريك الياباني" فجر جديد" ليوشيتوشي شينوميا حساسية مختلفة، إذ يتتبع شاباً يتحصّن داخل مصنع ألعاب نارية، ساعياً إلى تحقيق حلم والده في ابتكار لعبة فريدة من نوعها.
بين الإرث العائلي وضغط التحديث العمراني، يتشكّل خطاب عن الذاكرة والوفاء، وعن قدرة الرسوم المتحركة على نقل انفعالات دقيقة.
اختيار فيلم تحريك ضمن المسابقة يذكّر بأن برلين من المهرجانات القليلة التي لا تتردد في وضع هذا الشكل التعبيري في مواجهة مباشرة مع السينما الروائية التقليدية.
العلاقة بين الأب والابن هي أيضاً محور الفيلم الآسيوي الثاني، " كلنا غرباء" للسنغافوري أنتوني تشن.
دراما تتقدّم بخطوات محسوبة نحو تفكيك مفهوم العائلة، ومسؤوليات النضج، والمسافة التي قد تفصل جيلين يعيشان تحت سقف واحد لكن في عالمين مختلفين.
من أميركا اللاتينية، يحمل المكسيكي فرناندو إمبكيه في" ذباب" حكاية عزلة تنكسر بوصول مستأجرين جدد، بينما يقارب الكندي" نينا روزا" لجنفييف دولود دو سيل العلاقة بين الفن والشفاء، عبر رجل يواجه ماضيه مستعيناً بالسرد والصورة.
أوروبياً، تتكاثر المقاربات بقدر تنوع الأساليب.
ثلاثة أفلام من البلد المضيف ألمانيا تحضر في المسابقة، من بينها" شيء مميز جداً" لإيفا تروبيش، الذي يتابع بحث شابة عن ذاتها وسط عائلة مفككة، و" زوجتي تبكي" لأنغيلا شانيليك، حيث يصبح العجز عن التواصل بعد مأساة شخصية محوراً درامياً، و" الرسائل الصفراء" لإلكر شاتاك، الذي ينقلنا إلى إسطنبول في مواجهة ضغوط اقتصادية وأخلاقية.
إلى جانبها، أفلام من بلجيكا وبريطانيا وفنلندا والنمسا، تشكّل فسيفساء أوروبية تعكس قلق القارة وأسئلتها الراهنة.
أفريقياً، يلتقي الواقع بالأسطورة.
في" داو" للسنغالي ألان غوميس، تجتمع عائلة للاحتفال بزفاف وتكريم راحل، ضمن عمل يمزج ممثلين محترفين وغير محترفين، خالطاً الوثائقي بالمتخيّل.
ومن تشاد، يقدّم محمد صالح هارون" سومسوم، ليلة النجوم"، حيث تكتشف مراهقة قوى خارقة، في استعارة عن النضج وحماية العوالم الهشّة.
أما التونسية ليلى بوزيد، فتعود في" بيت الحس" إلى تونس عبر جنازة تكشف أسراراً عائلية، وتفتح باباً لإعادة اكتشاف الحب والذاكرة.
من دون أن ننسى، " خلاص" للتركي أمين ألبر، الذي ينقل صراع على الأرض إلى قرية جبلية مشحونة بتاريخ من النزاعات، فيما يقدّم البرازيلي كريم عينوز في" تشذيب الورد" نقداً لبنية عائلية بطريركية، عبر حكاية أشقاء.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
على مستوى التحكيم، يشكّل تولّي فيم فندرز رئاسة اللجنة إشارة رمزية قوية.
المخرج الألماني، أحد أعمدة" السينما الجديدة" في بلاده، يجمع بين التجربة العالمية والحساسية المحلية، ما يعزّز الرهان على قراءة جمالية عميقة للأفلام المتنافسة.
حضوره يعيد إلى الواجهة فكرة" المرجعية" في المهرجانات الكبرى، بعد عدة سنوات أُسنِدت فيها المهمة إلى أسماء بلا حيثية سينمائية تُذكَر.
الدورة السادسة والسبعون التي تفتتح هذا المساء بفيلم أفغاني (" لا رجال جيدون" ) تبدو إذاً، محطة مراجعة أكثر منها استعراض قوة.
مراجعة لعلاقة المهرجان بالسياسة وبالجمهور (336 ألف مشاهد العام الماضي) وبفكرة" الحدث" نفسها.
بين الرغبة في قول شيء عن العالم، والخشية من أن يتحوّل الخطاب إلى بديل عن الصورة، تقف برلين على مفترق طرق.
غير أن ما يمنحها استمراريتها هو قدرتها الدائمة على جمع المختلفين حول شاشة واحدة.
في مدينة عرفت الانقسام والوحدة، تبقى السينما وعداً عابراً للحدود.
ومع انطفاء الأنوار في القاعات، يبدأ الامتحان الحقيقي: هل تستطيع هذه الأفلام أن تترك أثراً يتجاوز أيام المهرجان لتعيش مع المُشاهد أطول فترة ممكنة؟ الإجابة، كما في كل عام، ستُكتب في العتمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك