تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
إن الأيام التي أعقبت المقابلة المشحونة بين السلطان وضباط جيشه، عرفت تمارجا كبيرا على الصعيد الوطني بين الجيش المخزني وسكان فاس، وفي اليوم التالي، أخذت قيادات الثورة ترسل المبعوثين إلى القبائل طالبين نجدتهم، وفي الوقت الذي كانت فيه الصحافة والبرلمان الفرنسيون يشيدون بشجاعة النساء المغربيات، حتى أن جان جوريس قال في البرلمان الفرنسي: ((إنهن نساء شجاعات.
لقد كن يطردن الجيوش الفرنسية ويقلن بصوت عال: سنقتلكم أيها الرجال إذا ما وليتم الأدبار)).
في هذا الوقت، شب الصراع بين الأطراف الفرنسية، ونقلت الصحافة الفرنسية أحداث فاس إلى الساحة السياسية في باريس.
إنها ثورة ضد فرنسا تكاد تضاهي الثورة الفرنسية.
ثورة التحق بها الجيش المخزني، ورجال السلطة، حتى أن الفرنسيين كانوا يطلبون حماية الحاج بريك، قائد حي فاس الجديد، فوجدوه على رأس الثوار.
لقد كانت ثورة رجال المخزن، أنصار السلطان مولاي حفيظ، عنصرا لم يكن يخطر ببال الفرنسيين الذين لم يجدوا سبيلا للتغلب على الثائرين فنظموا مؤامرة ضد خيول الجيش، فجمعوها بالمئات وساقوها إلى عين قادوس لإعدامها بالرصاص، وكان من بين الضباط الثائرين محمد بن دحان العبدي، قائد الرحى، والرحى هي مجموعة ألف جندي، وهو واحد من ضباط الجيش والذي خاف الفرنسيون أن ينضم إليهم أمثالهم، فحلوا الجند المغربي نهائيا (المصدر: كتاب “إيليغ” لمحمد المختار السوسي).
وعندما وصلت إلى باريس أخبار تحركات قبائل أيت يوسي، الذين هجموا على المركز الفرنسي في صفرو يوم 19 أبريل 1912، دعا الرئيس الفرنسي مييران، إلى اجتماع عاجل بقصر “رامبويي”.
إن فرنسا في خطر.
إن الجنرال موانيي عجز عن تنظيم جنازة الضحايا الفرنسيين بعد مرور عشرة أيام على موتهم، فكيف يمكنه حكم المغرب؟ وكان الاجتماع الرئاسي الفرنسي يوم 27 أبريل، وكان يخيم عليه الكدر المضني، وجرى البحث عن الرجل المناسب، فاقترح أحد الوزراء أن يكون هو السفير رينيو، الذي يوجد بالمغرب، فنظر إليه الجميع نظرات ازدراء، لأن الوضع في المغرب يحتاج رجلا هو الجنرال ليوطي.
فعلا وصل ليوطي – كالصخر إذا سقط من عَلِ – إلى ميناء الدار البيضاء يوم 13 مايو 1912، وانتظر وصول الفيالق الضخمة من جنود وأعتدة ومدافع إلى ميناء الدار البيضاء قبل أن يتحرك ليدخل الرباط يوم 15 مايو.
ووصلت جحافل ليوطي تجر أرتال أسلحتها الثقيلة إلى مكناس يوم 22 مايو، لكن ليوطي فوجئ بأن دخول مكناس كان في صمت وسكون.
فلماذا لم يطلقوا الواحد وعشرين طلقة احتفاء به؟ووضع ضابط المنطقة يده على فمه يقول للجنرال ليوطي: اسكت (ما يعني هذا الوصف ورد في كتاب “مذكرات ليوطي” للمؤرخ العسكري لوريفيران) إن الناس في مكناس على أعصابهم، وأي طلقة مدفع ستهز أعصاب المكناسيين.
وهناك علم ليوطي أن الثورة المغربية ضد الاحتلال في بدايتها، وأن جيشا مكونا من عشرين ألف مجاهد قد تم تكوينه حول مدينة فاس.
فاس التي دخلها ليوطي يوم 24 مايو، وكان الجنرال موانيي قد تمكن منذ ثلاثة أسابيع فقط قبل وصول ليوطي، من دفن ضحايا حوادث 17 أبريل.
إن الحالة تدعو إلى اليأس وإلى الاشمئزاز.
لكن ليوطي لم يكن ينظر إلى المواقع والرجال من خلال شنباته المرصفة إلا كما ينظر الأسد إلى القطط، وذلك لأن أحداث فاس لا شيء بالنسبة لرجل عرف الطونكان والجزائر ووجدة.
ثم إن أحداث فاس انتهت، كما يقول ليوطي، كلما مر بموقع أو كلما جلس مساء يسامر ضباطه ويخطط لمستقبله.
لولا أنه ليلة 25 مايو، الليلة الثانية التي قضاها في فاس، صحا من أحلامه لأول مرة على قصف مدافع الثوار المغاربة داخل مدينة فاس.
إن ثورة فاس لم تكن ثلاثة أيام – كما كتب في التقارير العسكرية – إن فاس 25 مايو هي فاس 17 أبريل.
وكتب ليوطي في مذكراته: “لقد سقطت في مصيدة”.
لقد استمرت المعارك والقصف والحصار حول قيادة ليوطي إلى يوم 28 مايو.
والثوار أسياد الموقف في ممرات فاس كلها (كتاب “مذكرات ليوطي” تأليف لوريفيران).
وكان الجنرال كورو يقدم لليوطي تقارير عن محاولاته المتوالية لمنع وصول الثوار إلى موقع ليوطي، حين دخل عليه أحد الضباط وقال له: “إن الثوار وصلوا على بعد 150 مترا من دار المنبهي”، فالتفت ليوطي يمنة ويسرة؛ فقد وصل حديثا لفاس.
وأين توجد دار المنبهي؟ أجابه الجنرال كورو: إنها مكتبكم هذا الذي تجلسون فيه.
ليوطي سجل في مذكراته الخاصة شعوره في تلك الساعات بالعبارات التالية: ((يوم 28 مايو من السادسة إلى العاشرة مساء، أقمنا حول موقعنا قنينات مملوءة بالبنزين، لنشعلها في عملية انتحارية حينما تحين الساعة، إنهم يتقاتلون على بعد 150 مترا مني)).
لقد كانت فاس، وبمنتهى البساطة، هي الشعلة التي أوقدت جحيم الثورة المغربية العارمة، وربما كان ليوطي هو البنزين الذي صبه الفرنسيون على النار، بينما يرى خبراء الاستعلامات الفرنسيون، أن ليوطي عاد من تجربته الآسيوية مشبعا بروح الألعاب الصينية، علبة صغيرة داخل علبة أكبر منها.
وقد تدخل عشرين علبة داخل علبة واحدة، لتبقى العين مشدودة إلى علبة واحدة، مثلما ينظر ليوطي إلى الأزمة المغربية على أنها عنصر واحد، سرعان ما يخبو وهج ثورته، ليرتاح المحارب الفرنسي.
إلا أن المحارب الفرنسي لم يعرف طعما للراحة ولا للاستقرار إلا على صفحات التاريخ الذي كتبه الفرنسيون تحت رقابة الجنرال ليوطي، الذي كان النموذج الراقي لـ”الدكتاتور الديمقراطي”.
فقد كانت كل تقاريره تنبض بالنصر، والقضاء على الثورة والتمرد.
حتى أنه كتب على رخامة بـ”دار المنبهي”، التي كانت مقرا له بفاس: ((هنا كان الجنرال ليوطي بعد أن هوجم هذا القصر من طرف الثوار ووصلوا على بعد مائة متر منه، ولكن القضاء على الثورة تم في فاتح جوان 1912)).
لكن بعيدا عن “دار المنبهي”، التي انتهت من حولها الثورة يوم فاتح جوان 1912، هناك مطار فاس، الذي كتب على رخامة أخرى: ((تخليدا لأرواح الطيارين الفرنسيين الذين سقطوا من سنة 1913 إلى سنة 1936 وعددهم 172 من ضباط وضباط صف وجنود)).
والفرق بين التواريخ الواردة في اللوحتين يوحي بالتناقض، اللهم إلا إذا كان أولئك الطيارون والضباط الفرنسيون الذين أقيم نصب مطار فاس العسكرية على شرفهم، وعددهم 172، ماتوا بالتخمة، أو زلقوا في حمامات فاس.
لقد بدأت متاعب ليوطي عندما أعلن أن فاس هدأت، وخرج الجنرال كورو في جولة بضواحي فاس يوم 14 جوان 1912، فاشتبك مع قبيلة الحياينة يوم 17 جوان، وفقد اثنا عشر من ضباطه وجنوده، وعلى رأس القتلى الليوتنان هولتز.
ويوم 22 جوان، اشتبك الجنرال كورو مع الحياينة وجبالة، غرب واد إيناون، ووصل إلى تيسة، حيث وقف وجها لوجه مع قوات الثائر السملالي يوم 6 يوليوز، في جبل مولاي بوشتة، حيث سقط من ضباطه ثلاثة، وجرح ثمانية عشر، فعاد الجنرال كورو يجر أذيال الخيبة إلى فاس التي دخلها مدحورا يوم 13 يوليوز، لكن من أين له الراحة والاستقرار.
؟إن ضواحي صفرو أصبحت مرتعا لثوار أيت سغروشن، الذين توجه الكولونيل مازيليير لمواجهتهم ابتداء من يوم 17 يوليوز، وكانت بين الجيشين معركة ضارية يوم 19 يوليوز في إيموزار، وكان أول قتلاها القبطان فلامان والليوتنان أرنو، وعدد كبير من الجرحى، فاضطر الكولونيل مازيليير للانسحاب من طريق أخرى هي طريق مكناس، حيث احتمى بقوات الجنرال دالبييز.
وتقدمت جيوش الثوار المغاربة في اتجاه عين الشقاق، في شهر غشت، حيث حاصرت قوات الكولونيل روبية، وفي ناحية الشمال الشرفي لفاس، كان الكولونيل باين، يخوض حربا حقيقية مع قبائل فشتالة، حيث فقد في معركة 14 غشت، عشرة قتلى و48 جرحا.
وتم تغيير الجنرال موانيي على رأس قيادة الجيش بمنطقة فاس وتم تعويضه بالجنرال ديسبيري، الذي استمرت حربه ضد الحياينة ومناطق تيسة إلى شهر أكتوبر 1913.
وهكذا نرى أن المعارك التي أنهاها الجنرال ليوطي في فاتح جوان 1912 في ذاكرته، لا زالت مستمرة في أكتوبر 1913.
ولا زلنا في إقليم فاس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك