رغم ما يعلنه قادة روسيا والصين من إشادات متكررة بمتانة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، فإن المؤشرات الاقتصادية الحديثة تكشف عن صورة أكثر تعقيداً وأقل إشراقاً، فالتبادل التجاري يتراجع، والاستثمارات تتباطأ، والشكوك المتبادلة تقيّد الانتقال إلى مستوى أعمق من التعاون.
وقالت إيكاترينا زولوتوفا، المحللة في مؤسسة" جيوبولتيكال فيوتشرز"، والباحثة المتخصصة في قضايا اندماج روسيا في الاقتصاد العالمي، إن العلاقات الروسية – الصينية تبدو، ظاهرياً، في أفضل حالاتها، مستشهدة بإشادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ بالشراكة الاستراتيجية، إضافة إلى لقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولي البلدين.
وأضافت أن الإعلام الرسمي في الجانبين يواصل الترويج لفكرة التقارب المتصاعد.
وتابعت الكاتبـة في مقالها بالموقع البحثي الأمريكي أن هذا الخطاب لا ينسجم مع تطورات التجارة الثنائية، التي بدأت تفقد زخمها بعد سنوات من النمو.
وأوضحت الكاتبة أن الحرب الروسية في أوكرانيا والعقوبات الغربية الواسعة دفعا موسكو إلى بكين، ما جعل الصين أكبر شريك تجاري لروسيا، غير أن هذا المسار بلغ ذروته في عام 2024، قبل أن يتراجع في 2025 إلى نحو 228 مليار دولار.
وأضافت الباحثة أن صادرات النفط والحبوب الروسية إلى الصين انخفضت من حيث الكمية والقيمة، في حين تراجعت واردات الهواتف الذكية والسيارات الصينية إلى السوق الروسية بشكل ملحوظ، ما يعكس تشبع السوق وضعف الطلب.
وتابعت الكاتبة أن موسكو وبكين تختلفان في فهمهما لطبيعة التعاون المنشود، فروسيا تتوقع دعماً سياسياً واقتصادياً أكبر من الصين في ظل المواجهة مع الغرب، بينما تخشى بكين أن يؤدي أي تحالف عسكري أو سياسي صريح إلى تعريضها لعقوبات وإلى توتير علاقاتها مع شركاء اقتصاديين رئيسيين.
وأشارت الكاتبة إلى أن تسوية معظم المعاملات التجارية بالروبل واليوان لم تُنهِ المشكلة الأساسية، إذ ما تزال روسيا محرومة من الوصول إلى منظومات مالية موثوقة وسريعة.
وأضافت أن البنوك الصينية تتعامل بحذر شديد خشية العقوبات الثانوية، فيما لا تسمح بكين بدخول واسع للبنوك الروسية إلى أسواقها.
وأوضحت الكاتبة أن موسكو ترغب في جذب استثمارات صينية أكبر من دون التنازل عن السيطرة، بينما تفضّل بكين تصدير منتجاتها بدلاً من ضخ رؤوس أموال كبيرة في قطاعات روسية عالية المخاطر.
ونتيجة لذلك، تظل الاستثمارات الصينية في روسيا محدودة ومركزة في قطاعات تقليدية.
وأضافت الكاتبة أن روسيا تتوجس من تدفق السلع الصينية الرخيصة، لما قد يسببه من إضرار بالصناعات المحلية، وهو ما يفسر السياسات الحمائية التي تعيق دخول السيارات والمنتجات الصينية على نطاق واسع.
خلصت الكاتبة إلى أن الخطاب الدبلوماسي بين موسكو وبكين سيبقى إيجابياً ومكثفاً، لكنه لا يعكس بالضرورة تحولاً استراتيجياً عميقاً، فالعوائق البنيوية ما تزال قائمة، ولا يبدو أن أيّاً من الطرفين مستعد لإزالتها قريباً، ما يجعل الحديث عن انتعاش وشيك للعلاقات الاقتصادية أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك