الجزيرة وإعادة تشكيل المشهد السياسي.
تشهد ولاية الجزيرة هذه الأيام حراكاً سياسياً متسارعاً وتفاعلات محتدمة تعكس ملامح مرحلة جديدة عنوانها إعادة التموضع وإعادة تشكيل التحالفات.
فالمشهد لم يعد ساكناً بل بات مفتوحاً على احتمالات متعددة قد تمتد آثارها إلى مجمل الخارطة السياسية في السودان.
جاء لقاء (سرحان) الذي نظمته الإدارة الأهلية تضامناً مع الأمير الطيب الإمام جودة ليؤكد هذا التحول، فالرجل أصبح محل التقاء الجميع، إذ شهد هذا اللقاء تسابقاً لافتاً من جهات سياسية وعسكرية مختلفة، في محاولة لقراءة اتجاه الرياح الجديدة أو ربما التأثير عليها.
وقد أظهر اللقاء حجم الحضور الذي بات يتمتع به الأمير الطيب جودة، الذي أصبح بالنسبة لكثيرين أحد أبرز الخيارات القادرة على توحيد إنسان الجزيرة والوسط عموماً.
يعود هذا القبول الواسع إلى ما يُنظر إليه بوصفه شرعية غير مؤدلجة ولا حزبية، الأمر الذي جعله نقطة التقاء لقطاعات أنهكتها الصراعات ذات الطابع السياسي.
فالعديد من الأزمات التي شهدها الوسط كان للسياسة دور محوري في تأجيجها، ما دفع المواطنين إلى البحث عن قيادة أقرب إلى همومهم اليومية وأبعد عن الاستقطاب.
كما تعززت شعبية الرجل في ظل حالة الغضب التي يعيشها إنسان الجزيرة تجاه أطراف الحرب كافة.
فهناك شعور متنامٍ بأن الولاية تُركت لمصيرها عندما اجتاحتها قوات الدعم السريع وسط اتهامات صريحة للجيش بالتقصير بل وبالتواطؤ وفقاً لكثير من الروايات بهدف تخفيف الضغط عن الخرطوم ومنع تمدد المعارك نحو ولايات الشمال.
وقد شكل سقوط الفرقة الأولى في ود مدني صدمةً كبرى أثارت الدهشة والحيرة لدى الجميع.
حاولت القيادة العسكرية لاحقاً امتصاص هذا الغضب عبر تشكيل لجنة تحقيق انتهت إلى الحكم بسجن قائد الفرقة غير أن نتائج التحقيق بدت لكثير من أبناء الجزيرة مخيبة ودون مستوى الانتهاكات التي وقعت، ما أبقى جرح الثقة مفتوحاً.
في المقابل يروج أنصار محليون لرواية مفادها أن تحرير الجزيرة كان ثمرة جهود أبنائها وقياداتها وفي مقدمتهم الأمير الطيب جودة وأن السلاح الذي دافعوا به عن أرضهم جرى توفيره من مواردهم الخاصة دون دعم يذكر من أي جهة بما في ذلك الجيش.
هذه الرواية أسهمت في ترسيخ صورة الاعتماد على الذات وتعزيز الالتفاف الشعبي.
أما الفصائل الأخرى التي أعلنت قتالها إلى جانب الجيش وعلى رأسها بعض حركات دارفور فيؤخذ عليها بحسب منتقدين أنها لم تحضر في لحظة الدفاع لكنها سارعت للحضور بعد التحرير بحثاً عن موطئ نفوذ لها، وقد زاد التوتر مع إعلان الأمير الطيب جودة موقفاً رافضاً وصريحاً لتلك الحركات مستصحباً انطباع أهل الجزيرة أن هذه الحركات أصبحت انتهازية وتشكٌل خطراً على إنسانها وسط اتهامات لها بالوقوف خلف العقوبات الأوروبية المفروضة على الطيب جودة وكيكل.
وفي خلفية هذا المشهد تبرز ملامح صراع من نوع آخر أقل ظهوراً للعلن وهو بين التيار الإسلامي (الكيزان) وتشكيلات درع السودان.
وقد تجلّى ذلك في واقعة رفض المصباح مصافحة كيكل ملوحاً بعدم نسيان اجتياح الجزيرة عندما كان الأخير ضمن صفوف الدعم السريع.
كما أثارت زيارات المصباح قائد كتائب البراء المصنفة إرهابياً جدلًا واسعاً بعد تصريحات حملت نبرة تهديد لأهالي الجزيرة في حال أبدوا تعاطفا مع قوى محلية أخرى أو مع أبناء الجزيرة الآخرين.
تعكس هذه التوترات أيضاً جانباً من التنافس مع قيادة الجيش نفسها ممثلة في البرهان، حيث يُنظر إلى القوى المسلحة في الجزيرة باعتبارها رصيداً استراتيجياً له في معادلة النفوذ لا سيما في مواجهة تشكيلات الكيزان العسكرية.
مجمل هذه التطورات يشير إلى أن ما يجري في الجزيرة ليس مجرد تفاعلات محلية بل هو مخاض لمشهد سياسي جديد قد يتشكل على مستوى البلاد.
فالتحالفات القديمة تتصدع والقوى الجديدة تبحث عن موطئ قدم بينما يقف المواطن مترقباً لما ستؤول إليه موازين القوة.
إن الجزيرة اليوم تبدو وكأنها مختبر للتحولات القادمة في السودان، فما يحدث فيها قد يكون مقدمة لإعادة رسم المشهد الوطني بأكمله، حيث لم يعد السؤال من يملك القوة فحسب بل من يستطيع كسب ثقة الناس في زمنٍ تتبدل فيه الولاءات بسرعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك