لم تعد دروب الأردن حكرًا على المغامرين القلّة أو عشّاق الطبيعة المنعزلين، بل باتت تمتلئ، موسمًا بعد آخر، بمجموعات شبابية وعائلية وجمعيات رياضية اختارت المشي في الطبيعة أسلوبًا للعافية واكتشاف المكان.
ففي الجبال المحيطة بالعاصمة، وعلى المسارات الممتدة في عجلون والبلقاء والبحر الميت ووادي رم، تمشي خطوات الآلاف بحثًا عن أكثر من نزهة عابرة: بحثًا عن توازن مفقود بين الجسد والذهن، وعن فسحة هدوء في وجه إيقاع الحياة المتسارع.
الهايكنغ في الأردن لم يعد مجرّد نشاط ترفيهي أو رحلة لالتقاط الصور، بل تجربة متكاملة تعيد تعريف العلاقة مع الطبيعة.
فالمشي على المسارات الترابية، بين أشجار السنديان والصنوبر أو على حواف الأودية والمرتفعات، يجمع بين الحركة البدنية والتعرّض المباشر للهواء الطلق والضوء الطبيعي.
هذا التلاقي ينعكس بوضوح على صحة القلب والعضلات والعظام، ويُحسّن التوازن والتناسق الحركي، فيما يمنح الذهن فرصة نادرة للتخفف من الضجيج الداخلي وإعادة ترتيب الأفكار.
ويشير مختصون في علوم الحركة والعلاج الفيزيائي إلى أن الهايكنغ من أكثر الأنشطة سهولة في الوصول ومناسبة لمختلف الأعمار ومستويات اللياقة، فضلًا عن كونه أقل خطورة من أنشطة جبلية صيفية أخرى.
سواء بدأ المشي من مسار قريب في أطراف عمّان أو امتد إلى دروب أكثر تحدّيًا في الشمال والجنوب، يبقى القاسم المشترك أن لكل شخص دربه الخاص، وتجربته التي يمكن تصميمها بما يلائم قدرته ووقته ونمط حياته.
من أبرز المكاسب الصحية المرتبطة بالهايكنغ تحسين صحة القلب والجهاز التنفسي.
فمع الانتظام في المشي على مسارات متدرجة الصعوبة، تقوى عضلة القلب وتزداد كفاءتها في ضخ الدم بجهد أقل، ما يخفف الضغط على الشرايين ويساهم في تقليل خطر ارتفاع ضغط الدم.
كما أن هذه الرياضة تلعب دورًا مهمًا في تحسين توازن الدهون في الدم، ما يساعد الجسم على التخلص من الكوليسترول الزائد ونقله بطريقة صحية داخل الأنسجة.
هذه الآليات مجتمعة تقلّل من احتمالات الإصابة بأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، وتنعكس على متوسط العمر وجودته.
من ناحية التحكم في الوزن، تشير بيانات خبراء اللياقة إلى أن المشي على تضاريس صعبة يمكن أن يحرق في المتوسط ما بين 400 و550 سعرة حرارية في الساعة الواحدة.
هذا المعدل المرتفع يجعل الهايكنغ وسيلة فعّالة لتجنّب السمنة وتقليل خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
وبما أن الهايكنغ نشاط يعتمد على حمل وزن الجسم، فإنه يسهم أيضًا في زيادة كثافة العظام، ما يقلّل من خطر هشاشتها مع التقدم في العمر.
في الوقت نفسه، تُستَهدَف مجموعات عضلية متعددة: الفخذان، العضلات الخلفية، الوركان، الساقان، الأرداف وعضلات الجذع.
استخدام العصيّ المخصّصة للمشي يضيف تدريبًا للذراعين والكتفين، فيما تزيد المنحدرات من شدة التمرين على معظم العضلات.
ولا يمكن إغفال أثر التضاريس المتغيرة في تحسين التوازن ووضعية الجسم والتناسق الحركي.
فالدماغ يظل في حالة يقظة دائمة أثناء التعامل مع الصخور والمنعطفات والعوائق، ما يحوّل الهايكنغ إلى تمرين مركّب يجمع بين تمارين القلب والتوازن وتقوية العضلات في آنٍ واحد.
الفوائد النفسية للمشي في الطبيعة لا تقل أهمية عن المكاسب الجسدية.
فقد أظهرت دراسات متعددة أن 30 دقيقة فقط من المشي يمكن أن تخفّض هرمونات التوتر بنحو ملحوظ.
ومع زيادة مدة المشي وتكراره، تتحسّن مؤشرات التوتر الفسيولوجية المرتبطة بالإجهاد الحاد، مثل مستويات الكورتيزول وتذبذب نبضات القلب.
يساعد الهايكنغ أيضًا في تخفيف أعراض القلق والاكتئاب، وتعزيز القدرات المعرفية كالذاكرة وحلّ المشكلات.
يشرح مختصون في علم الحركة والميكانيكا الحيوية أن الدماغ، وتحديدًا الفصّ الأمامي المسؤول عن التخطيط والانتباه، يظل نشطًا خلال المشي في الطبيعة لأنه مطالب بمراقبة المشهد البصري المتغيّر باستمرار لتفادي التعثر أو الانزلاق.
هذه اليقظة المتواصلة تُدرّب الدماغ على التركيز واتخاذ القرار السريع.
كما يسهم الهايكنغ في تعزيز «المرونة العصبية»، أي قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه وتشكيل روابط عصبية جديدة.
هذه الخاصية أساسية للتعلّم والتكيّف مع التحديات، وتدعم مراكز التفكير والذاكرة على المدى الطويل.
وإلى جانب كل ذلك، فإن ممارسة المشي مع آخرين تعزّز الروابط الاجتماعية وتخفف الشعور بالوحدة والعزلة.
لماذا تمنح الطبيعة هذا التأثير الاستثنائي؟جزء كبير من سحر الهايكنغ يعود إلى الإيقاع المنتظم للخطوات، مترافقًا مع تأثيرات الطبيعة البصرية والسمعية والشمّية.
فاستنشاق مركبات عضوية تطلقها الأشجار، تُعرَف علميًا باسم «الفيتونسايد»، ارتبط بتحسين وظائف الجهاز المناعي.
وتشير أبحاث أقدم إلى أن مجرد القدرة على رؤية مشاهد طبيعية قد يسرّع التعافي بعد العمليات الجراحية.
كما أن التعرّض للضوء الطبيعي يساعد في تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، ما ينعكس إيجابًا على جودة النوم.
ولا ننسى دور فيتامين «د» الناتج عن التعرض للشمس في دعم صحة العظام والمناعة.
مقارنة بالمشي في بيئة حضرية، يقلّ اجترار الأفكار السلبية لدى من يسيرون في الطبيعة، أي تلك الدوامة الذهنية التي تعيد المخاوف والضغوط بلا توقف.
وتشير نتائج بحثية إلى تحسّن ملحوظ في مدى الانتباه لدى من يمارسون الهايكنغ في بيئات طبيعية.
ويضيف باحثون أن العيش في مناطق جبلية، كما في بعض المناطق المعروفة بطول أعمار سكانها وصحتهم الجيدة، قد يكون عاملًا مساعدًا على نمط حياة أكثر نشاطًا وتوازنًا نفسيًا.
كما أظهرت تحليلات شاملة أن ممارسة الرياضة في الهواء الطلق ترتبط بمشاعر أكبر بالانتعاش والطاقة، مع تراجع في التوتر والارتباك والغضب.
المثير للاهتمام أن الهايكنغ قد يغيّر نظرة الشخص للرياضة عمومًا، إذ يميل ممارسوه إلى قضاء وقت أطول في النشاط البدني مقارنة بالعدّائين أو من يمشون في بيئات حضرية، لأن الطبيعة تجعل التجربة أكثر متعة وأقل شعورًا بالروتين.
من مزايا الهايكنغ أنه لا يتطلب تجهيزات باهظة أو شهادات تدريبية خاصة.
ومع ذلك، ينصح الخبراء ببعض الأساسيات لضمان تجربة آمنة ومريحة:
من الأفضل المشي مع آخرين، أو على الأقل إبلاغ شخص بوجهتك وموعد عودتك المتوقع.
ارتداء حذاء مخصص للمشي في الطبيعة بقبضة جيدة على الأرض.
اختيار ملابس مناسبة للطقس مع إمكانية التدرّج بالطبقات.
حمل ماء كافٍ ووجبات خفيفة مغذية، مع مراعاة زيادة الكمية في الطقس الحار أو عند ارتفاع شدة المسار.
وجود حقيبة إسعافات أولية صغيرة وهاتف مشحون للطوارئ.
عند اختيار المسار، يُفضّل البدء بما يناسب مستوى لياقتك الحالي قبل الانتقال تدريجيًا إلى مسارات أكثر تحدّيًا.
كما يُستحسن الاطلاع مسبقًا على صعوبة الطريق، وتغيّرات الارتفاع، وتوافر مصادر مياه الشرب، والتحقق من حالة الطقس والمسار قبل الانطلاق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك