بينما أصبحت كرة القدم على مستوى الأندية لعبة معولمة، لا تزال كأس العالم محكومة بمنطق هويّاتي عميق يتجاوز الأجيال والثقافات وحتى دكة البدلاء.
ففي وقت تحوّلت الأندية إلى فرق متعددة الجنسيات، باتت جنسية المدرب فيها مجرد تفصيل إداري لا أكثر، على عكس كأس العالم التي تحكمها قاعدة واضحة صمدت عبر 22 نسخة ونحو قرن من التاريخ: لكي تُتوَّج بطلاً للعالم، يجب أن يكون المدرب المنتمي إلى دكة البدلاء من البلد نفسه الذي ينتمي إليه اللاعبون داخل الملعب.
هذه الحقيقة ليست وليدة الصدفة، بل تعكس حاجزاً ثقافياً وهويّاتياً يفصل بين المنتخبات الكبيرة وتلك القادرة فعلياً على بناء فرق ناجحة وتحقيق الإنجازات.
ثقل التاريخ: مائة عام من الحماية الهويّاتية.
بحسب تقرير موقع قناة تي واي سي الأرجنتينية والذي ذكر أنه لفهم حظوظ المرشحين في كأس العالم 2026، لا بد من العودة إلى جذور البطولة.
فمنذ صافرة البداية في ملعب سنتيناريو عام 1930، شكّلت الجنسية تعويذة غير مرئية للأبطال.
فالمدرب ألبرتو سوبّيتشي، الملقب بـ" الأستاذ"، لم يمنح أوروغواي نجمتها الأولى وهو في الحادية والثلاثين من عمره فحسب، بل رسّخ قاعدة مفادها أن معرفة خصوصية اللاعب المحلي هي الميزة التكتيكية الحاسمة.
وتعزّز هذا النموذج مع الثنائية التاريخية لإيطاليا بقيادة فيتوريو بوتسو عامي 1934 و1938، الرجل الذي فهم أن اللاعب الإيطالي لا يلعب من أجل الكرة وحدها، بل بدافع الواجب تجاه أمة كانت في طور التحوّل.
ويقف الجدول التاريخي للمدربين المتوجين بكأس العالم شاهداً على هذا التجانس الوطني.
ولا يهم إن كنا نتحدث عن خوان لوبيز فونتانا عام 1950، أو ثورة سيب هيربرغر و" معجزة برن" عام 1954، أو الأناقة البرازيلية مع فيسنتي فيولا عام 1958؛ فالقاسم المشترك واحد لا يتغيّر.
وحتى في العصر الحديث حيث امتلأت الأجهزة الفنية بخبراء من شتى الجنسيات، ظلّ رأس الهرم دائماً" ابن البلد".
سكالوني مع الأرجنتين: النموذج المتفوّق.
وإذا كان هناك منتخب يجسّد اليوم تفوّق نموذج" المدرب الوطني"، فهو منتخب الأرجنتين بقيادة ليونيل سكالوني، وبعد النجاح الكاسح في قطر 2022، يدخل الألبيسيليستي نسخة 2026 ليس بصفته حاملاً اللقب فقط، بل باعتباره المنتخب الذي أتقن إدارة عملية تجديد الأجيال من دون التفريط في الهوية.
وعلى الجانب الآخر، قررت البرازيل القفز في المجهول، في خطوة هزّت أسس كرة القدم في أميركا الجنوبية.
التجربة البرازيلية: أنشيلوتي وصدام الكواكب.
ويمثل التعاقد مع كارلو أنشيلوتي لقيادة" السيليساو" في مونديال 2026 التحدي الأكبر على الإطلاق لـ" قانون المدرب الوطني".
ويعتبر أنشيلوتي أحد أبرز المدربين في تاريخ الأندية، لكن قدومه إلى البرازيل يأتي وسط أجواء من الشك والتوتر التكتيكي.
والسؤال المطروح في الشارع البرازيلي واضح: هل يستطيع إيطالي، مهما بلغت إنجازاته، أن يفهم الحرية الإبداعية التي يحتاجها لاعب مثل فينيسيوس جونيور، أو أن يدير غرور منتخب لم يرفع الكأس منذ 24 عاماً؟ وحاول المدرب الإيطالي فرض" أسلوب أوروبي" قائم على التوازن الدفاعي والذكاء التكتيكي، بهدف تقليص الأخطاء التي كلّفت البرازيل غالياً في روسيا 2018 وقطر 2022.
وتتمثل المعضلة الكبرى في 2026 في ما إذا كان الانضباط التكتيكي لأنشيلوتي سيُشكّل قيداً خانقاً أو منصة انطلاق لموهبة فردية هائلة.
إنكلترا وتوخيل: القطعة الأخيرة أم خطأ تاريخي؟وإذا كانت البرازيل تعيش صداماً ثقافياً، فإن إنكلترا تعيش حرباً أهلية كروية.
فتعيين الألماني توماس توخيل مدرباً لـ" الأسود الثلاثة" قوبل بمزيج من الأمل العملي والرفض القومي.
ولم تفز إنكلترا بأي لقب منذ 1966 بقيادة الإنكليزي ألف رامزي، وقرر الاتحاد الإنكليزي أنه إذا كان المدرب المحلي غير قادر على الإنجاز كما حدث مع ساوثغيت، فلا بد من استيراد الكفاءة الألمانية لمونديال 2026.
وبدأ توخيل مهمته بقوة محققاً ستة انتصارات متتالية، لتكون إنكلترا أول منتخب أوروبي يحجز بطاقة التأهل لكأس العالم 2026.
ومع ذلك، لم تهدأ العاصفة، فالصحافة البريطانية، القاسية بطبعها، وصفت تعيينه بـ" اليوم الأسود لإنكلترا"، مركزة على حقيقة أن مدرباً ألمانياً يقود أحد خصومها التاريخيين.
فرنسا وهيمنة ديشان في كأس العالم.
يسعى ديدييه ديشان لبلوغ نهائيه الثالث توالياً مدرباً، في إنجاز سيضعه بين أساطير اللعبة.
وفرنسا هي مثال حي على كيفية انتقال الانتماء من جيل إلى جيل؛ فديشان كان قائداً رفع الكأس عام 1998، وهو اليوم الاستراتيجي الذي يقود مبابي ورفاقه بسلطة تنبع من تاريخه الشخصي.
وبعد رحيل لويس إنريكي، وجدت إسبانيا ضالتها في لويس دي لا فوينتي، الرجل الذي يعرف أدق تفاصيل منتخبات الفئات العمرية، فنجاحه في اليورو نموذج لا يقوم على المدرب النجم إعلامياً، بل على المدرّس الذي يفهم الحمض النووي لكرة القدم الإسبانية.
وتصل إسبانيا إلى 2026 بمزيج من شباب لافت وانضباط تكتيكي تدعمه القراءة التاريخية.
وبعد إخفاقي 2018 و2022، سلّمت ألمانيا مصيرها ليوليان ناغلسمان، أصغر مدرب في نخبة أوروبا مكلف بإعادة هيبة" المانشافت"، خصوصاً أن المنتخب فاز بكل ألقابه الأربعة مع مدربين محليين.
ويمثل ناغلسمان الحداثة تحت مظلة التقاليد الألمانية، ما يمنحه موقعاً إحصائياً أقوى بكثير من مواطنه توخيل في إنكلترا.
وعاد رونالد كومان لقيادة" الطواحين" بعد رحيل لويس فان غال عقب الخسارة أمام الأرجنتين في ربع نهائي مونديال 2022.
ويتولى كومان، أحد أبطال يورو 1988، اللقب الوحيد في تاريخ هولندا، مهمة إعادة البريق إلى أمة صنعت عصراً ذهبياً وابتكرت فلسفة، لكنها لم تتوج عالمياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك