حين خطر ببالي أن أكتب شيئاً عن العلاقة التي تربط أسرة أهل العاقل بحضرة أهل الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد فاضل، لم يكن التحدي في قلّة المادة أو ندرة الشواهد، بل –على العكس من ذلك– كان التحدي الحقيقي في كيفية اختصار مسيرة طويلة وحافلة من التعاطي مع هذا الجناب الفاضل الشريف، مسيرةٌ تمتد لما يناهز قرنا ونصفَ قرنٍ مِن الزمن، بما تحمله من تواصل علمي وروحي واجتماعي، ومواقف مشتركة، وزيارات متبادلة، وقصص وروايات وسرديات، يزخر بها الموروث المحلي للجانبَين ….
وأمام هذا الامتداد الزمني والثراء المعنوي، راودتني فكرة أن أؤجل الجانب السردي والنثري من هذا المشروع إلى عمل تأليفي مُتأنٍ، يتسع لتفاصيل ذلك الموروث ويستوعب تشعباته، على أن أكتفي في هذه الإطلالة الأولى ببعض الشواهد الشعرية التي تخدم الغرض، وتضيء جوانب من هذه العلاقة الراسخة، دون أن أطيل الحيلولة بين الشعراء ونصوصهم؛ فالكلام –كما يقولون– من فم صاحبه أحلى!
ومن الطبيعي أن تتصدر هذه الشواهد تلك الأبيات الشهيرة التي قالها محمد فال “ببَّها” بن محمذن بن أحمد بن العاقل، ترحيباً بالشيخ سعد أبيه ومناصرةً له، أولَ ما أشرقت أنواره على النواحي والآفاق من الركن الجنوبي الغربي من هذه البلاد.
وهي الأبيات التي لقيت من القبول ما جعلها صوتاً عذباً، لا تزال تصدح به حناجر الفنانين في هذه الربوع وغيرها:
ومما يُروى من الطرائف في بابِ مناصرة الممدوح والمادحِ، أن أحد “أهل المحصر” علَّق على هذه الأبيات قائلاً بالحسانية: “أرنِيهِ” معناها “دِيرُو افعَينِي” ….
وتعتبر مرثية امحمد بن أحمد يورَ للشيخ سعد أبيه، المتوفي في شهر رمضان من عام 1335هــ الموافق يوليو 1917م، مِن أشهر تلك النصوص وأكثرها استحسانا لدى العارفين بالشعر العربي الفصيح:
يكون على المُولِي مُبينا دليلها.
لقد هيَّج البرقٌ اليماني موهناً.
ودفَّاع جُلَّاها الرِّضَى وجليلُها.
بها اعتَلَّ عاديها وصحَّ عليلُها.
سقى الله تلك الروحَ أطيبَ مشربٍ.
يخاف انكسافَ الضوء منها كميلُها.
ومِن جميل الإخوانيات في ديوان امحمد قوله يخاطب الشيخ “بوننَّ” بن الشيخ سعد أبيه:
مِنِّي سَلامٌ إلَى “بُونَنَّ” مُوجِبُهُ.
أنْ ليسَ يُعْجِبُنِي ما ليسَ يُعْجِبُهُ.
قدْ كنتُ أحسِبُهُ في العصْرِ خيرَ فَتًى.
فجاءنِي فوقَ ما قدْ كُنتُ أحسِـبُـهُ.
وفي مجال الإخوانيات مما يخص هذا المقام، يقول أيضاً محمدن بن محمد بابَ مِن أبيات:
نصرٌ مِن الله ما حلُّوا وما سارُوا.
يَعيَا البليغُ إذا ما رام مدحَهمُ.
وقد كانت وفاةُ الشيخ الطالب بويَ بن الشيخ سعد أبيه نهايةَ عام 1964م مناسبةً لا يمكن أن تمرّ دون أن يقول الشعرُ كلمته في عِظَم المصاب، ودون تقديم واجب العزاء للأحبة في فقد أحد أكبر أعلام زمانه قدراً ومكانة.
فقد شكّلت وفاته أبرز أحداث ستينيات القرن الميلادي المنصرم، لِما كان يمثّله من مقام علمي وروحي واجتماعي رفيع.
وفي هذا السياق يقول ڭراي بن أحمد يورَ:
وصـــيَّرتِ البعيــــد لنا قريباً.
ترى السُّودَ الأعاجمَ وهْي تسعى.
ومِن قصيدة أخرى، يقول في رثاء المرحوم سيدي بويَ بن بونَنَّه بن الشيخ سعد أبيه من قصيدة:
هِيَّ الحوادِثُ كُلُّ ما تُبْدِيهِ.
لِعُيونِنا لا بُدَّ أنْ تُخْفِيهِ.
عَجَباً لَها في هَدْمِهَا وبِنائِهَا.
مَلِكٍ على وَفْقِ القَضَا يُجْرِيهِ.
لِذَوِي العُلاَ مُنْسٍ لِما نَدْرِيهِ.
عَزِّ المعالِيَ والمعانِيَ والنَّدَى.
عَنْ “سيدِ بُويَ” فإنَّها تَبْكِيهِ.
لوْ صَحَّ أنْ يُفْدَى الكريمُ مِنَ الرَّدَى.
لَأتَتْ جماهيرُ الورَى تَفْدِيهِ.
فاللهُ يُسْكِنُهُ فَسِيحَ جِنانِهِ.
ومِنَ الرَّحيقِ مُعتَّقاً يَسْقِيهِ.
أما بنُوهُ فإنَّهُمْ سُلوانُ مَنْ.
كادَ المُصابُ بِسهْمِهِ يُصْمِيهِ.
فاللهُ ينصُرُهُمْ ويَجْبُرُ كَسْرَهُمْ.
ومقامُهُمْ بينَ الورَي يُعْلِيهِ.
قومٌ تكاثرَ مَجْدُهُمْ حتَّى لقدْ.
فاقَ الحَصَى عدًّا، فَمنْ يُحصيهِ؟وكفاهمُ شَرَفاً بُنُوَّةُ أحمدٍ،
والنُّورُ يسْطَعُ في وُجوهِ بَنِيهِ.
نَوِّهْ بِهِمْ وانْوِ الذي تختارُهُ.
لِتنالَ بالتَّنْويهِ ما تَنْوِيهِ.
صلَّى الإلهُ علَى النَّبِيِّ ومُقْتَفِيـــ.
ـ ـــهِ بِقَلْبِهِ والمُقْتَفِيهِ بِفِيهِ.
وقد كنت قلتُ عام ألفين وثمانية قطعةً في رثاء المرحوم “أتقانَ بن الشيخ بُونَنَّ بن الشيخ سعد أبيه، جاء فيها:
سَهْمَ المَنايا أصَبْتَ اليوم “أتْقَانَا”.
“أتْقانَ” مَنْ شادَ بُنيَاناً ومنزلةً.
أعْظِمْ بِبُنيانِه فِي المَجْدِ بُنيانا.
شيـخٌ عـبادتهُ في الناسِ قدْ عُرِفَتْ.
يُقـطِّع الليلَ تـسبيحاً وقرآنا.
تـرى المـُريديـن في أبْـهَى مواسِمِها.
تــرى لديه بني غـبراءَ يُوسِعُهمْ.
سَقيًا ولُبسًا وإطعامًا وإسْكانا.
قـد كان صائنَ عِـرضٍ لا يمُن بـه.
ولـم يَزلْ بجزيل المالِ مَنَّانا.
إن كـان أعيَى زماني مِـثلُه كــرمًا.
فإنَّ عَدَّ خِصالِ الشـيخ أعيــانا.
سقى الإلهُ مـكانًا أنــت نــازِله.
وبْلاً من العفوِ سَحَّاحاً وهتـَّانا.
وفي بنِيكَ الكـرامِ الــغُرِ أُسوتُنا.
وذا سَلامٌ لذاكَ الحيِّ مُوجِبُه.
عن ذِكـرهِ الحـالُ أغناكُم وأغْنانا.
ومن حديث التواصل الأدبي بين الجانبَين قصيدةٌ قالها محمد بابَ بن محمذن بابَ في رثاء المرحوم الشيخ آيَّاهْ بن الشيخ الطالب بويَ بن الشيخ سعد أبيه، يقول فيها:
بالدُّرِّ في سِفر الخلود سطورُها.
وإذا كان من خاتمة لهذه العُجالة، فإني أتمثل لهذه الحضرة العالية الغالية دعاءً ضمنه الوالد قصيدةً يرثي بها الشيخ الحدرامي (حدَّامِي) بن الشيخ الخليفة بن الشيخ سعد أبيه، وقد كان ذلك في ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم:
واحبُ الخلائفَ ربَّنا بمُرادِهم.
وارفَع لهم في الفضلِ كلَّ مقامِ.
وارزُقهمُ التعميرَ والتيسيرَ والـ.
لا أفَلَتْ شمسُ ذاك التواصلْ، ولا زال ذكرُه تحصيلَ حاصلْ، آمينْ، اللهم صل وسلم على أشرف المرسلينْ، وعلى آله وصحبه أجمعينْ، ،

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك