استيقظت القارة الإفريقية، هذا اليوم الأربعاء، على حدثين يصلحان لأن يُدرسا معًا في كتاب واحد عن المفارقات السياسية.
يوم إفريقي بطعم المفارقة الغريبة والمضحكة.
ففي الوقت الذي كان فيه الاتحاد الإفريقي يجدد الثقة في المغرب من قلب أديس أبابا، حيث انتزع من الدور الأول، مقعدًا داخل مجلس السلم والأمن التابع لـ الاتحاد الإفريقي، بعد حصوله على 34 صوتًا من أصل 54، في تصويت واضح الدلالة والمعنى.
في نفس الوقت ولد كيان من الوهم، سمي بالاتحاد لكرة القدم، كيان بلا أصل ولا فصل، بلا حمل ولا وحم.
بلا طبيب ولا غرفة عمليات.
وحدها الحاضنة والصنيعة، هي التي تولت مهمة (القابلة).
من قلب عاصمة العالم الآخر، خرج اتحاد كروي لكيان أسقطته الأمم المتحدة في القمامة بقرارها الأخير رقم (2797)، بعدما ظل يبحث منذ خمسين عاما، بدون جدوى، عن اعتراف.
كيان لقيط لا يملك أرضا للسكن.
و شعبا حقيقيا.
هذا الحدث الطي يضاف إلى تبونيات العالم الآخر، قُدِّم باعتباره إنجازًا تاريخيًا.
أُطلقت التصريحات، وارتفعت الشعارات، وصُوِّر الإعلان من طرف صحافتها المأجورة، وكأنه فتحٌ رياضي جديد.
غير أن الحقيقة البسيطة التي يعرفها كل متابع للقانون الرياضي الدولي، هي أن أي اتحاد وطني لكرة القدم لا يكتسب شرعيته بالبيانات الاحتفالية، بل بالاعتراف من الاتحاد الدولي لكرة القدم، ومروره عبر بوابة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
أما أن يُعلن اتحاد بلا تصفيات، بلا روزنامة رسمية، وبلا عضوية في المنظومة الدولية، فذلك أقرب إلى متابعة مباراة كرة القدم بلا حكم ولا مرمى.
المفارقة أن الإعلان جاء في التوقيت نفسه الذي كانت فيه القارة تمارس فعلها الديمقراطي داخل أروقة الاتحاد الإفريقي.
ففي أديس أبابا لم يكن التصويت على بيان رمزي، بل على عضوية داخل جهاز يتولى تدبير قضايا النزاعات والوساطات وحفظ الاستقرار بالقارة.
مجلس السلم والأمن ليس منصة خطابية، بل مؤسسة قرار.
والانتخاب من الدور الأول، بأكثر من ثلثي الأصوات، ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية واضحة تعكس حجم الثقة التي تحظى بها المملكة داخل البيت الإفريقي.
هنا تتجلى السخرية الهادئة للمشهد: طرف يحتفل بميلاد وهمي، وآخر يحصد تفويضًا مؤسساتيًا.
الأول يعلن كيانًا يبحث عن اعتراف لجبهة تلقت الضربة القاضية أخيرا، والثاني يُنتخب باعتراف صريح من أغلبية الدول الإفريقية.
الأول يراهن على الضجيج الإعلامي، والثاني يعتمد على صناديق الاقتراع.
وبين الضجيج والصندوق، تتحدد الفوارق.
الشرعية في الرياضة، كما في السياسة، لا تُصنع في غرف مغلقة، ولا تُمنح بقرار أحادي.
هي مسار طويل من العمل والتراكم والالتزام بالقانون الدولي.
ولذلك فإن انتخاب المغرب لعضوية مجلس السلم والأمن للمرة الثالثة خلال أقل من عقد، منذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، يعكس تموقعًا متقدمًا ورؤية متماسكة في التعاطي مع قضايا القارة، ويؤكد أن الثقة لا تُهدى بل تُنتزع عبر الفعل والمبادرة.
قد يستطيع البعض إعلان بطولة بلا جمهور، أو اتحاد بلا اعتراف، لكن لا أحد يستطيع إعلان شرعية بلا أصوات.
وقد تُقام احتفالات كثيرة، غير أن التاريخ لا يسجل إلا ما يُوثَّق في محاضر وسجلات المؤسسات.
في ذلك الأربعاء الإفريقي، كان هناك من أضاف بيانًا جديدًا سخيفا إلى أرشيف الشعارات والمناورات المألوفة من العالم الآخر، وكان هناك من أضاف بصمة جديدة إلى سجل القرار الإفريقي.
وبين البيان والبصمة، يتضح الفرق بين من يبحث عن صورة، ومن يصنع موقعًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك