أعرب عن امتناني الشديد لدعوتي إلى هذا المؤتمر المرموق، الذي يجمع سياسيين وعسكريين ورجال أعمال وخبراء من أكثر من 40 دولة حول العالم.
إن صيغة هذا المؤتمر تمنحني الفرصة لتجنب" البروتوكولات الدبلوماسية المفرطة"، والامتناع عن استخدام العبارات الدبلوماسية" المنمقة الجميلة" لكنها الفارغة.
كما تتيح لي هذه الصيغة قول ما أفكر فيه فعلا بشأن قضايا الأمن الدولي.
وإذا بدت ملاحظاتي لزملائنا شديدة الحدة أو حادت عن الدقة، فأرجو ألا تؤاخذوني، فهذا ليس سوى مؤتمر فقط.
وأتمنى ألا يضطر السيد تيلشيك إلى تشغيل" الضوء الأحمر" هناك بعد دقيقتين أو ثلاث من كلمتي.
حسنا، من المعروف أن إشكالية الأمن الدولي أوسع بكثير من مجرد استقرار الوضع العسكري السياسي.
فالأمر يتعلق باستقرار الاقتصاد العالمي، ومكافحة الفقر، والأمن الاقتصادي، وتعزيز الحوار بين الحضارات.
ويتجلى هذا الطابع الشامل غير القابل للتجزئة للأمن في مبدأه الأساسي القائل بأن" أمن كل كيان على حدة هو أمن الجميع".
وكما قال فرانكلين روزفلت في الأيام الأولى من اندلاع الحرب العالمية الثانية: " أينما ينتهك السلام، يصبح السلام مهددا وعرضة للخطر في كل مكان".
ولا تزال هذه الكلمات تحتفظ بأهميتها حتى يومنا هذا، وموضوع مؤتمرنا اليوم" الأزمات العالمية – المسؤولية العالمية" دليل على ذلك.
قبل عقدين فقط من الزمان، كان العالم منقسما أيديولوجيا واقتصاديا، وكان أمنه يرتكز على الإمكانات الاستراتيجية الضخمة لقوتين عظميين.
ودفع التنافس العالمي القضايا الاقتصادية والاجتماعية الحادة إلى هامش العلاقات الدولية وجدول الأعمال.
وكأي حرب، تركت" الحرب الباردة" ورائها" قنابل موقوتة لم تنفجر بعد"، إن جاز التعبير.
وأقصد بذلك الصور النمطية الأيديولوجية، والمعايير المزدوجة، وغيرها من أنماط التفكير المعتمدة على نظرية" التكتلات".
أما العالم أحادي القطبية الذي تم طرحه بعد" الحرب الباردة"، فقد فشل هو الآخر في التبلور.
إن تاريخ البشرية، بطبيعة الحال، يعرف فترات هيمنة أحادية القطبية والسعي إلى الهيمنة العالمية.
وكم شهد التاريخ البشري من أشياء كثيرة.
لكن، ما المقصود بالعالم أحادي القطبية؟ ومهما تم تزيين هذا المصطلح، فإن هذا يعني في الممارسة العملية شيئا واحدا فقط: مركز واحد للسلطة، ومركز واحد للقوة، ومركز واحد للسلطة.
إنه عالم السيد الواحد، والسيادة الواحدة.
وهذا في النهاية أمر مدمّر ليس فقط لجميع من يعيشون ضمن هذا النظام، بل ولـ" السيد" نفسه، لأنه يضعفه من الداخل.
وهذا بالطبع لا علاقة له بالديمقراطية.
فالديمقراطية، كما هو معروف، هي حكم الأغلبية مع مراعاة مصالح وآراء الأقلية.
وبالمناسبة، نتلقى نحن في روسيا باستمرار دروسا في الديمقراطية.
لكن من يلقنوننا هذه الدروس أنفسهم يبدو أنهم لا يرغبون في التعلم.
أرى أن النموذج أحادي القطبية غير مقبول للعالم المعاصر، بل وغير ممكن أساسا.
وليس فقط لأن القيادة الانفرادية في العالم الحديث، وأؤكد في العالم الحديث، لن تكفيها الموارد العسكرية السياسية أو الاقتصادية.
بل الأهم من ذلك فإن هذا النموذج نفسه معطّل، لأنه لا يستند ولا يمكن أن يستند إلى أساس أخلاقي معنوي يتوافق مع حضارة العصر الحديث.
ومع ذلك، فإن كل ما يحدث اليوم في العالم، وقد بدأنا مناقشته للتو، هو نتيجة محاولات فرض هذه الفكرة بالذات على الشؤون الدولية: فكرة العالم أحادي القطبية.
لم تحل الإجراءات الانفرادية غير الشرعية أي مشكلة.
بل على العكس، تسببت في مآس بشرية جديدة، وبؤر توتر.
ولتحكموا بأنفسكم: الحروب والنزاعات المحلية والإقليمية لم تقل بل زادت، وقد أشار إلى ذلك السيد تيلشيك بلطف شديد.
وعدد القتلى في هذه النزاعات لم ينخفض بل زاد، زاد بشكل ملحوظ، بشكل كبير جدا.
اليوم، نشهد استخداما شبه غير مقيد ومفرطا للقوة في الشؤون الدولية، والقوة العسكرية التي تغرق العالم في دوامة نزاعات تتبع بعضها بعضا.
والنتيجة أننا نفتقر إلى القوة اللازمة لمعالجة أي منها بشكل شامل، ويصبح الحل السياسي مستحيلا.
أصبحنا نرى ازدراء متزايدا للمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
بل، وأكثر من ذلك، تجاوزت معايير معينة وتقريبا كامل النظام القانوني لدولة واحدة، الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى، حدودها الوطنية في جميع المجالات: الاقتصادية والسياسية والإنسانية، وأصبحت تفرض على دول أخرى.
أصبحنا نجد في الشؤون الدولية تزايدا في الميل إلى حل القضايا انطلاقا مما يسمى" الملائمة السياسية" القائمة على الظروف السياسية الراهنة، وهو أمر خطير للغاية بالطبع، ويؤدي إلى غياب الشعور بالأمان لدى الجميع الآن.
أؤكد هذا: لم يعد أحد يشعر بالأمان! لأن أحدا لم يعد يستطيع الاحتماء خلف القانون الدولي كجدار صلب.
وهذه السياسة هي بالتأكيد محفز لسباق التسلح.
إن هيمنة عامل القوة تغذي حتما رغبة بعض الدول لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، بل وظهرت تهديدات جديدة جوهرية، كانت معروفة مسبقا، لكنها اكتسبت اليوم طابعا عالميا، كالإرهاب مثلا.
أنا على قناعة بأننا قد وصلنا إلى لحظة حرجة يجب أن نفكر فيها بجدية في هيكيلة الأمن العالمي بأكملها.
وهنا يجب أن ننطلق من السعي إلى تحقيق توازن معقول بين مصالح جميع أطراف التواصل الدولي، لا سيما الآن، بينما يتغير" المشهد الدولي" بشكل ملموس وسريع، يتغير بفضل التطور الديناميكي لعدد من الدول والمناطق.
وقد أشارت السيدة المستشارة الفيدرالية إلى ذلك بالفعل.
فعلى سبيل المثال يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للهند والصين معا، بحسب تعادل القوة الشرائية ما يفوق حاليا ناتج الولايات المتحدة الأمريكية.
وناتج دول مجموعة" بريك" (البرازيل وروسيا والهند والصين)، بحسب المبدأ نفسه يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، والفارق في المستقبل المنظور سيتجه نحو الاتساع فقط وفقا لتقديرات الخبراء.
ولا ينبغي الشك في أن الإمكانات الاقتصادية لمراكز النمو العالمي الجديدة ستتحول حتما إلى نفوذ سياسي وستعزز تعددية الأقطاب.
في هذا السياق، تتزايد أهمية الدبلوماسية متعددة الأطراف.
فالانفتاح والشفافية والقدرة على التنبؤ في السياسة أصبحت أمرا لا بديل عنه، ويجب أن يظل استخدام القوة إجراء استثنائيا بالفعل، تماما كما هو الحال مع تطبيق عقوبة الإعدام في النظم القانونية لبعض الدول.
ما نشهده اليوم هو العكس: دول تحظر فيها عقوبة الإعدام حتى بحق القتلة وغيرهم من المجرمين الخطرين، تشارك بسهولة في عمليات عسكرية يصعب وصفها بالشرعية، ويموت في هذه النزاعات مئات الآلاف من المدنيين!
ويطرح السؤال نفسه هنا: هل يجب أن نقف مكتوفي الأيدي أمام النزاعات الداخلية المختلفة في بعض الدول، وأمام تصرفات الأنظمة الاستبدادية والطغاة، وانتشار أسلحة الدمار الشامل؟ وهو بالضبط ما يكمن في جوهر السؤال الذي طرحه زميلنا المحترم السيد ليبرمان على المستشارة الفيدرالية.
(موجها كلامه إلى ج.
ليبرمان)، هل تراني فهمت سؤالك بشكل صحيح؟ بالتأكيد هو سؤال جاد! هل يجوز لنا أن ننظر دون مبالاة إلى ما يحدث؟ سأحاول الإجابة على سؤالك أيضا.
بالطبع لا يجوز لنا أن ننظر دون مبالاة، بالقطع لا.
ولكن، هل توجد لدينا وسائل لمواجهة هذه التهديدات؟ بالتأكيد توجد.
يكفي أن نتذكر التاريخ القريب.
ألم يحدث في بلادنا تحولا سلميا نحو الديمقراطية؟ أم تتم تحولات سلمية للنظام السوفيتي – تحولات سلمية! ولأي نظام! مع كمية من الأسلحة، بما فيها الأسلحة النووية! فلماذا الآن، وعند كل فرصة سانحة، يجب القصف وإطلاق النار؟ أليس في ظل غياب تهديد التدمير المتبادل، ينقصنا اليوم الثقافة السياسية، واحترام قيم الديمقراطية والحق؟أنا مقتنع أن الآلية الوحيدة لاتخاذ قرارات باستخدام القوة العسكرية كملاذ أخير يجب أن يكون عبر ميثاق الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، فإما أنني لم أفهم ما قاله للتو زميلنا وزير دفاع إيطاليا، أو أنه عبّر عن رأيه بشكل غير دقيق.
على أي حال، ما سمعته هو أن استخدام القوة يمكن اعتباره شرعيا فقط إذا ما تم اتخاذ القرار في" الناتو" أو في الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة.
فإذا كان يعتقد فعلا ذلك، فوجهات نظرنا تختلف.
وربما قد سمعت خطأ، فالاستخدام الشرعي للقوة يمكن اعتباره كذلك فقط إذا اتخذ القرار على أساس ميثاق الأمم المتحدة وفي إطاره.
ولا ينبغي استبدال منظمة الأمم المتحدة بحلف" الناتو" أو الاتحاد الأوروبي.
وعندما توحد الأمم المتحدة فعلا قوى المجتمع الدولي التي يمكنها الاستجابة فعليا للأحداث في دول معينة، وعندما نتخلص من ازدراء القانون الدولي، عندها فقط قد تتغير الأمور.
وإلا فلن نصل إلى طريق مسدود ونضاعف عدد الأخطاء الفادحة.
وبالطبع، يجب أن نسعى إلى أن يكتسب القانون الدولي طابعا عالميا في الفهم وفي تطبيق المعايير.
ولا ينبغي نسيان أن الأسلوب الديمقراطي في العمل السياسي يفترض بالضرورة النقاش وإعداد القرارات بدقة وصبر.
إن الخطر الكامن في زعزعة استقرار العلاقات الدولية مرتبط أيضا بالركود الواضح في مجال نزع السلاح.
روسيا تؤيد استئناف الحوار حول هذه القضية بالغة الأهمية.
فمن الأهمية بمكان الحفاظ على ثبات القاعدة القانونية الدولية لنزع السلاح، مع ضمان استمرارية عملية خفض الأسلحة النووية.
وقد اتفقنا مع الولايات المتحدة الأمريكية على خفض إمكاناتنا النووية على الحاملات الاستراتيجية إلى 1700-2200 رأس نووي بحلول 31 ديسمبر 2012.
وتعتزم روسيا الالتزام بصرامة بالتعهدات التي قطعتها.
ونأمل أن يتعامل شركاؤنا أيضا بشفافية ولا يؤجلون بضع مئات إضافية من الرؤوس النووية لـ" يوم أسود".
وإذا أعلن وزير الدفاع الأمريكي الجديد هنا أن الولايات المتحدة لن تخفي هذه الرؤوس الإضافية في المستودعات أو" تحت الوسادة" أو" تحت سجادة هنا أو هناك"، أقترح أن نقف جميعا تقديرا لاستقبال مثل هذا الإعلان.
سيكون إعلانا هاما للغاية.
إن روسيا تتقيد بميثاق عدم انتشار الأسلحة النووية وبنظام الرقابة متعددة الأطراف على تكنولوجيا الصواريخ، وتعتزم مواصلة المضي قدما على هذا النهج، والمبادئ المنصوص عليها في هذين المستندين ذات طابع عالمي.
وفي هذا السياق، أود التذكير بأنه في ثمانينيات القرن الماضي، وقّع الاتحاد السوفيتي على معاهدة القضاء على فئة كاملة من الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى لكن لم تحصل الوثيقة على طابع عالمي.
لذلك فاليوم، يمتلك عدد من الدول مثل هذه الصواريخ، مثل جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية وجمهورية كوريا الجنوبية والهند وإيران وباكستان وإسرائيل.
بينما تعمل دول أخرى عديدة على تطوير مثل هذه الأنظمة وتخطط لنشرها.
وروسيا والولايات المتحدة أصبحتا الدولتان الوحيدتان اللتان تتحملان التزامات بعدم إنشاء أنظمة تسليح مشابهة.
من الواضح أنه في هذه الظروف يتعين علينا التفكير في ضمان أمننا الخاص.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن السماح بظهور أنواع جديدة من الأسلحة عالية التقنية المزعزعة للاستقرار.
ولا أتحدث هنا عن تدابير منع نشوب مجالات مواجهة جديدة، لا سيما في الفضاء.
فـ" حرب النجوم" لم تعد مجرد خيال علمي، بل أضحت واقعا ملموسا.
ففي منتصف ثمانينيات القرن الماضي أجرى شركاؤنا الأمريكيون عمليا اعتراض قمر صناعي خاص بهم.
وعسكرة الفضاء، من وجهة نظر روسيا، قد تؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها على المجتمع الدولي، لا تقل خطورة عن بداية العصر النووي.
ولقد قدمنا مرارا وتكرارا مبادرات تهدف إلى منع نشر الأسلحة في الفضاء.
وأود اليوم أن أبلغكم بأننا أعددنا مشروع معاهدة لمنع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي، وسيتم عرضه قريبا على الشركاء رسميا.
دعونا نعمل سويا على هذا الأمر.
كذلك لا يمكننا إلا أن نشعر بالقلق إزاء خطط نشر عناصر نظام الدفاع الصاروخي في أوروبا.
فلم نحتاج إلى جولة جديدة من سباق التسلح الذي سيصبح حتميا في هذه الحالة؟ أشك بشدة أن الأوروبيين أنفسهم هم من يحتاجون إلى ذلك.
لا توجد اليوم أسلحة صاروخية تهدد أوروبا فعليا بمدى يصل إلى 5-8 آلاف كيلومتر لدى أي ممن يسمون بـ" الدول المثيرة للقلق".
وفي المستقبل المنظور والقريب لن تظهر مثل هذه الأسلحة، ولا يتوقع ظهورها حتى.
وحتى الإطلاق الافتراضي لصاروخ كوري شمالي باتجاه الولايات المتحدة عبر أوروبا الغربية يتناقض بوضوح مع قوانين الديناميكا الهوائية.
كما يقول المثل الروسي: " يشبه ذلك محاولة الوصول إلى الأذن اليسرى باليد اليمنى".
وأنا هنا في ألمانيا، لا يمكنني إلا أن أشير أيضا إلى الحالة الحرجة لمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا.
وقد وقعت المعاهدة المعدّلة للقوات المسلحة التقليدية في أوروبا عام 1999.
وهي تأخذ في الاعتبار الواقع الجيوسياسي الجديد فيما يتعلق بتفكك حلف وارسو.
ومنذ ذلك الحين، مرت 7 سنوات، ولم يصدّق على هذه المعاهدة إلا 4 دول فقط من بينها روسيا.
وقد صرحت دول" الناتو" علنا أنها لن تصدّق على المعاهدة، بما فيها من أحكام القيود الجانبية (بشأن نشر عدد معين من القوات المسلحة على الجناحين)، حتى تنسحب روسيا من قواعدها في جورجيا ومولدوفا.
نحن نسحب قواتنا من جورجيا، بل وحتى بشكل متسارع.
وقد حللنا هذه المشكلات مع زملائنا في جورجيا، وهو أمر معروف للجميع.
وفي مولدوفا يتبقى تجمع عسكري يضم 1500 جندي يؤدون مهام حفظ السلام ويحرسون مستودعات ذخيرة خلفها الاتحاد السوفيتي.
وأنا أتناقش باستمرار مع السيد سولانا حول تلك القضية، وهو يعرف موقفنا، ومستعدون للمضي قدما في هذا الاتجاه.
لكن، ماذا يحدث بالتزامن مع ذلك؟ في نفس الوقت بالضبط، يظهر في بلغاريا ورومانيا ما يسمى بـ" قواعد أمامية أمريكية خفيفة"، تضم 5 آلاف جندي في كل منها.
فتكون النتيجة أن" الناتو" يدفع بقواته المتقدمة نحو حدودنا الوطنية، بينما نحن، الملتزمون والمقيدون بدقة المعاهدات، لا نرد على هذه الإجراءات بأي شكل.
أعتقد أن الأمر جلي وواضح: عملية توسع" الناتو" لا علاقة لها بتحديث التحالف نفسه، أو بضمان الأمن في أوروبا.
بل على العكس، إنها عامل استفزازي خطير، يقلل من مستوى الثقة المتبادلة.
ولدينا الحق المشروع في أن نطرح السؤال صراحة: ضد من يتم هذا التوسع؟ وماذا حل بالتأكيدات التي قدمها لنا الشركاء الغربيون بعد حلف وارسو؟ أين ذهبت هذه التصريحات؟ لم يعد أحد يتذكرها حتى.
لكني أسمح لنفسي بتذكير هذه القاعة بما قيل، واقتبس هنا من خطاب الأمين العام لـ" الناتو" السيد فيرنر في بروكسل، 17 مايو 1990.
والذي قال حينها: " حقيقة أننا مستعدون لعدم نشر قوات (الناتو) خارج أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية نفسها تمنح الاتحاد السوفيتي ضمانات أمنية صلبة".
فأين ذهبت هذه الضمانات؟لقد تبددت أحجار وكتل الجدار البرليني منذ زمن كهدايا تذكارية.
لكن، لا ينبغي للإنسان نسيان أن سقوطه أصبح ممكنا أيضا بفضل الخيار التاريخي لشعبنا، شعب روسيا، والاختيار لصالح الديمقراطية والحرية والانفتاح والشراكة الصادقة مع جميع أعضاء العائلة الأوروبية الكبيرة.
أما اليوم، فيحاولون فرض خطوط فاصلة وجدران جديدة علينا، ربما افتراضية.
لكنها تقسم وتقطع قارتنا المشتركة.
ألن يتطلب الأمر مجددا سنوات وعقودا طويلة وتغيير أجيال عديدة من السياسيين لـ" تفكيك" و" إزالة" هذه الجدران الجديدة؟إننا نؤيد بوضوح تعزيز نظام عدم الانتشار.
والقاعدة القانونية الدولية القائمة تسمح بتطوير تقنيات لإنتاج الوقود النووي لاستخدامه في الأغراض السلمية.
والعديد من الدول لها كل الحق في تطوير طاقتها النووية الخاصة كأساس لاستقلالها في قطاع الطاقة.
لكننا ندرك في الوقت نفسه أن هذه التقنيات يمكن تحويلها بسرعة إلى مواد للأسلحة، وهو ما يسبب توترا دوليا خطيرا.
والمثال الصارخ على ذلك هو الوضع المتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
وإذا لم يتوصل المجتمع الدولي لحل معقول لهذا الصدام في المصالح، فسيستمر العالم في الاهتزاز بسبب أزمات مزعزعة مماثلة.
لأن مثل هذه الدول أكثر من إيران وحدها، ونحن نعرف ذلك.
وسنتعرض باستمرار لخطر انتشار أسلحة الدمار الشامل.
في العام الماضي، قدمت روسيا مبادرة لإنشاء مراكز متعددة الجنسيات لتخصيب اليورانيوم.
ونحن منفتحون على إنشاء مراكز مشابهة ليس فقط في روسيا، بل وفي دول أخرى توجد فيها طاقة نووية سلمية على أساس قانوني.
ويمكن للدول الراغبة في تطوير الطاقة الذرية أن تحصل على الوقود بشكل مضمون وآمن من خلال المشاركة المباشرة في عمل هذه المراكز، وبطبيعة الحال سيكون ذلك تحت رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتتماشى المبادرات الروسية مع المبادرات الأخيرة للرئيس الأمريكي جورج بوش.
وأرى أن روسيا والولايات المتحدة مهتمتان موضوعيا وبدرجة متساوية بتشديد أنظمة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائل إيصالها.
فبلدينا، كقائدين في الإمكانيات النووية والصاروخية، يجب أن يكونا أيضا رائدين في وضع تدابير أكثر صرامة في مجال عدم الانتشار النووي.
وروسيا مستعدة للعمل في هذا المجال ونقوم بمشاورات مع أصدقائنا الأمريكيين.
بشكل عام، يجب أن نتوجه نحو إنشاء نظام كامل من الأدوات السياسية والحوافز الاقتصادية، حوافز لتشجيع الدول على عدم إنشاء قدارتها الخاصة بدورة الوقود النووي، مع إتاحة الفرصة لها لتطوير الطاقة الذرية وتعزيز إمكانياتها السلمية في قطاع الطاقة.
وفي هذا السياق، سأتوقف بمزيد من التفصيل عند التعاون الدولي في مجال الطاقة.
فقد أشارت السيدة المستشارة الفيدرالية أيضا بإيجاز لهذا الموضوع.
في قطاع الطاقة، تتجه روسيا نحو إرساء مبادئ سوقية موحدة للجميع وظروف شفافة.
من الواضح أن أسعار مصادر الطاقة يجب أن يحددها السوق، وليس أن تكون موضوعا للمضاربات السياسية أو الضغط الاقتصادي أو الابتزاز.
إننا منفتحون على التعاون.
ونشارك الشركات الأجنبية في مشاريع الطاقة الكبرى.
وبحسب تقديرات مختلفة، تصل نسبة إنتاج النفط في روسيا، التي يشارك فيها رأس المال الأجنبي إلى 26%، فكروا جيدا في هذا الرقم، إن 26% من إنتاج النفط في روسيا يعود لرأس المال الأجنبي.
جربوا وحاولوا أن تذكروا لي مثالا واحدا لمثل هذا الوجود الواسع للشركات الروسية في القطاعات الأساسية لاقتصادات الدول الغربية.
لا توجد مثل هذه الأمثلة! لا توجد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك