في اللحظات الفارقة من تاريخ الدول، لا تكون المعركة على الأرض وحدها، بل على المعنى.
والمعنى في عصرنا يُصنع في الإعلام، أو يُختطف عبره.
تعيين ضياء رشوان وزيرًا للدولة للإعلام جاء في لحظة تبدو فيها الساحة المصرية مزدحمة بالأصوات، لكنها في الوقت ذاته تعاني نقصًا في الدور.
ضجيج كثير، وتأثير قليل.
حضور واسع، وثقة محدودة.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية: ليست أزمة إعلام بقدر ما هي أزمة وظيفة الإعلام.
الإعلام المصري لم يفقد أدواته بقدر ما فقد مركزه.
كان يومًا صانع المزاج العربي، فإذا به يتحول تدريجيًّا إلى سوق مفتوحة تتقاطع فيها الأجندات، وتتداخل فيها المصالح، وتُدار بعض منصاته بتمويل أو تأثير لا ينتمي بالضرورة إلى المجال الوطني، حتى وإن خرجت رسائله من قلب القاهرة.
هذه ليست مؤامرة بالمعنى المبسط، لكنها نتيجة طبيعية لتحولات الاقتصاد والسياسة والإعلام معًا.
المال يبحث عن النفوذ، والإعلام أسرع الطرق إليه.
المسألة هنا ليست خصومة مع دول الخليج أو غيرها، فالعلاقات بين الدول تُبنى على المصالح المتبادلة، لكن السؤال الأعمق: من يحدد أولويات الرسالة الإعلامية المصرية؟ ومن يملك حق صياغة صورتها أمام نفسها وأمام العالم؟قبل عقود، حين أُنشئت مدينة الإنتاج الإعلامي، كان الهدف أن تكون القاهرة مركزًا للريادة، لا مجرد موقع تصوير لرسائل الآخرين.
كانت الفكرة أن تُصدّر مصر خطابها، لا أن تستضيف خطابات متعددة تتنافس على عقل جمهورها.
الفرق بين الريادة والاستضافة هو الفرق بين الفعل ورد الفعل.
ضياء رشوان يدرك- بحكم تجربته الطويلة- أن أزمة الإعلام ليست في الحرية وحدها، ولا في التنظيم وحده، بل في التوازن بين الاستقلال والمسؤولية، وبين المهنية والدور الوطني.
حديثه عن أن الوزارة لن تكون جهة تنفيذية يبدو في جوهره محاولة لإعادة ترتيب المشهد.
الرهان الحقيقي ليس في الهيكل، بل في المناخ.
هل يمكن استعادة ثقة الجمهور؟ هل يمكن أن يشعر المواطن أن الإعلام يعبر عنه، ويحمل همومه اليومية؟ هل يمكن أن يعود الإعلام مساحة معرفة لا مجرد منصة اصطفاف؟المعركة الأصعب ليست مع الخارج فقط بل مع الداخل أيضًا.
هناك شبكة مصالح تشكلت عبر سنوات، ونمط عمل اعتاد على التمويل السهل والتأثير السريع.
تغيير هذه المعادلة يحتاج إلى ما هو أكثر من قرارات تنظيمية؛ يحتاج إلى رؤية تعيد تعريف النجاح الإعلامي: من حجم التمويل إلى حجم التأثير الحقيقي.
في كلماته الأولى، بدا رشوان كأنه يحاول استعادة فكرة قديمة وحديثة في آن: أن قوة الدولة الناعمة لا تُدار بالأوامر، بل بالمصداقية.
الإعلام لا يعود إلى حضن الدولة، كما يقال، إلا إذا عاد أولًا إلى حضن الجمهور.
وهنا تكمن المهمة الوطنية الحقيقية: أن يكون الخطاب صادرًا من الواقع المصري، بلغته وهمومه وأحلامه، لا من مراكز تمويل أو حسابات نفوذ.
التاريخ القريب يقدم درسًا واضحًا: الدول التي فقدت إعلامها فقدت قدرتها على شرح نفسها، وحين تعجز الدولة عن شرح نفسها، يتولى الآخرون المهمة نيابة عنها.
ضياء رشوان ليس أمامه ملف إداري، بل اختبار تاريخي: هل يمكن إعادة تعريف دور الإعلام المصري في زمن المنصات العابرة للحدود؟ هل يمكن أن تستعيد القاهرة مكانتها كمركز تأثير لا كمجرد مساحة بث؟النجاح هنا لن يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بلحظة واحدة بسيطة: حين يشعر المواطن أن ما يراه ويسمعه أقرب إلى الحقيقة من أي وقت مضى.
عندها فقط، لن يكون الإعلام قد عاد إلى حضن الدولة، بل عاد إلى مكانه الطبيعي.
في قلب مصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك