مثلما هي الحال مع أسلافه، ينظر ترامب أيضاً إلى التهديد النووي باعتباره قضية مهمة جداً وخطيرة جداً، وهو مستعد لخوض حرب لوقفه.
ولكن إيران تحولت إلى “حزمة تهديدات” تشمل الصواريخ البالستية والتنظيمات الإرهابية التابعة لها، ما يطرح معضلة صعبة أمام الإدارة: هل يجب التعامل مع كل قضية على حدة أم كحزمة واحدة؟ هل يجب حتى التعامل مع القضايا غير النووية؟ والأهم: كيف يمكن تحديد أولويات كل تهديد؟تصريحات ترامب وكبار مستشاريه تشير إلى أن قضية الصواريخ البالستية والدعم الذي تقدمه إيران لوكلائها في المنطقة أو طبيعة النظام الإجرامية، لا تشكل في الوقت الحالي سبباً للحرب.
ويفصل ترامب بين التهديد الاستراتيجي العالمي الناتج عن المشروع النووي الإيراني وبين التهديد الإقليمي الناتج عن الصواريخ أو عن وكلائها.
لا يستند هذا التمييز فقط إلى حجم الضرر الذي قد يسببه أي تهديد كهذا، بل إلى الصلاحية السياسية المعطاة للرئيس الأمريكي.
الإجماع الإقليمي، الذي يضم دول الخليج برئاسة السعودية وتركيا، يدعم تحييد التهديد النووي الإيراني.
وقد أعلنت السعودية دائماً بأنه إذا حصلت إيران على السلاح النووي فستكون معنية أيضاً بالحصول على سلاح مشابه.
وفي مقابلة مع “سي.
ان.
ان” التركية في هذا الأسبوع، حذر وزير خارجية تركيا هاكان فيدان من أن حصول إيران على السلاح النووي سيخل بتوازن القوة في الشرق الأوسط، وبالتالي يشعل سباق التسلح النووي، الذي سيجبر تركيا على الانضمام إليه.
لم يتم توجيه تحذير مشابه من تركيا أو من السعودية أو غيرها من برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، رغم تعرض السعودية لهجوم بصواريخ إيرانية الصنع، بل وقال البعض بأنه تم اطلاقها من إيران، في العام 2019.
الصواريخ بالنسبة لدول المنطقة تعتبر تهديداً موجهاً لإسرائيل، أي أنها قضية ثنائية تحاول إسرائيل عرضها كخطر إقليمي وتسعى بجهد إلى إضافتها كشرط صارم في أي اتفاق مع إيران، ما يحولها إلى ذريعة للحرب.
ويعتبر هؤلاء أن تصوير قضية الصواريخ بأنها مساوية في أهميتها وقيمتها للقضية النووية، وسعي إسرائيل للضغط على ترامب لتبني سياسة “كل شيء أو لا شيء”، يعرض سلامة دول المنطقة للخطر، ويضعف فرصة التوصل إلى اتفاق نووي، الذي بدونه ستصبح الحرب ضد إيران أمراً حتمياً.
يشكل موقف هذه الدول التي أصبحت بمثابة غطاء سياسي لإيران، عاملاً مهماً جداً في قرارات ترامب.
فإلى جانب العلاقات الشخصية الوثيقة والاستثمارات الضخمة التي تعهدت بها في الولايات المتحدة والشركات الخاصة التي يمتلكها أفراد في عائلة ترامب وعائلة ويتكوف في هذه الدول، يوفر قادتها الدعم العربي لسياسة ترامب في الشرق الأوسط، بدءاً بغزة ومروراً باليمن وانتهاء بسوريا ولبنان.
وهذه الدول تقدم حججاً استراتيجية ذات صلة.
تجادل تركيا والسعودية وقطر بأنه في حالة التوصل إلى الاتفاق النووي يمكن حينئذ التوصل إلى اتفاقات بشأن قضايا تهم إسرائيل والولايات المتحدة.
ولكنها لم تقدم حتى الآن أي ضمانات بأن إيران ستوافق على مناقشة هذه القضايا بعد التوقيع على الاتفاق النووي، ونظراً للموقف المتشدد الذي أظهرته إيران حتى الآن، فإنه مشكوك فيه وجود أي فرصة للتفاوض في هذه المسائل.
وقال مصدر دبلوماسي تركي لـ “هآرتس”: “علينا النظر إلى الأمور بمنظار زمني.
لقد وافقت إيران على التفاوض مع أمريكا، وعقدت لقاء مباشراً، حتى لو كان قصيراً، مع ويتكوف، وهي تعد بجدية للجولة القادمة للمحادثات وتقدر أنها ستقدم موقفاً أكثر مرونة بشأن القضية النووية.
تجري إيران حواراً كثيفاً مع تركيا وقطر والسعودية، وتأخذ اقتراحاتنا على محمل الجد وتدرك أهمية الدعم الذي تحصل عليه من دول المنطقة والتزامها تجاهنا”.
ويشير المصدر الدبلوماسي التركي نفسه، إلى أن تركيا قلقة أيضاً بشأن الضربات الصاروخية، وتشكك بشدة بالمليشيات الموالية لإيران والتي تعمل في العراق.
ويؤكد: “مع ذلك، لن نخوض حرباً بسبب ذلك.
هذه أمور يمكن حلها من خلال المفاوضات مثلما فعل ترامب مع الحوثيين.
وكما يضغط على لبنان من أجل نزع سلاح حزب الله، ويتخذ إجراءات ضد الحكومة العراقية”.
في غضون ذلك، يبدو أن إيران ليست الوحيدة المستعدة لتعديل مواقفها؛ فحسب وزير الخارجية التركي، يبدو أن ترامب مستعد أيضاً للنظر ببعض المرونة فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم في إيران.
إذا كان هذا هو موقفه بالفعل فهو يرتبط بالضغط الذي تمارسه عليه دول المنطقة، التي حصلت في هذا الأسبوع على تقدير الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لإسهامها في المفاوضات.
إن الغطاء الدبلوماسي العربي والتركي المرافق لإيران يضع الولايات المتحدة، ليس للمرة الأولى، في موقف يجبرها، إضافة إلى التفاوض مع إيران، على إجراء مفاوضات ثنائية الأبعاد ضد إسرائيل وضد تحالف دول لها نفوذ يفوق نفوذ إسرائيل كما يبدو.
وقد أثبت هذا الغطاء قوته بالفعل عندما نجح التحالف العربي، خلافاً لموقف إسرائيل، في ثني ترامب عن تهجير سكان قطاع غزة وإقامة مشروع الريفييرا ودفعه إلى تبني مسار إقامة الدولة الفلسطينية.
في سوريا، ضغط التحالف على ترامب للاعتراف بنظام الشرع، ورفع العقوبات المفروضة عليها.
وفي غضون ذلك، وافق ترامب أيضاً على بيع طائرات “إف35” للسعودية وتركيا، وهو يتفاوض حالياً على صفقة مشابهة مع قطر.
والآن ينوي هذا التحالف تحقيق إنجاز مشابه في المفاوضات مع إيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك