يمر الاقتصاد الألماني بطريق متعرج بين صعود وهبوط وركود ومحاولات غير مجدية للنهوض، وتزداد عقدة الاقتصاد الأكبر في أوروبا مع كل قرار يأتي عبر هاتف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتغليظ الرسوم الجمركية أو تخفيفها، أو عبر كبح تدفق الغاز الروسي بقرار من الكرملين، أو من برلين نفسها أملاً في الاستعاضة عنه ببديل أوروبي لا يزال مفقوداً أو غير ذي جدوى اقتصادية حتى اللحظة الراهنة.
وعندما لاح أمل في أفق ألمانيا أمل بانتعاش اقتصادي وشيك، هبت رياح معاكسة بتيارات ثلاث هي الإغراق الصيني والتعرغات الأمريكية وقيود الطاقة روسية أنهت جميعها أحلام المستشار الألماني فريدريش ميرتس بتجاوز ملف الاقتصاد إلى ملفات أهم تشغل باله أولها الدفاع.
تلك الهجمات الثلاث دفعت الحكومة الألمانية بقيادة ميرتس لخفض توقعاتها للنمو لعام 2026 من 1.
3% إلى 1%.
وتحولت الوعود الإصلاحية الطموحة إلى خلافات حادة داخل الائتلاف الحاكم حول التأمين الصحي للأسنان وضريبة الميراث.
وبعد 9 أشهر فقط من تولي الحكومة السلطة، بدأ الشعور بالركود يتسلل إلى الاقتصاد.
وقد سئمت الشركات من الوضع.
وكان رأي أحد رؤساء الشركات مؤخراً: " لقد تحولت النشوة بعد انتخاب ميرتس إلى رعب حقيقي من تطور ألمانيا"، وفق تقرير لمجلة" الايكونوميست".
وحاول ميرتس استنهاض الاقتصاد وإنعاشه بتحفيز مالي استثنائي في مارس (آذار) الماضي، عبر ضخ 500 مليار يورو من صندوق ممول بالدين، لكن النتيجة أتت معاكسة، وفي العام الماضي، سجلت ألمانيا، التي كانت تُعرف سابقاً بـ" بطلة التقشف" في أوروبا، عجزاً بلغ 2.
4% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يتسع هذا العجز في السنوات المقبلة.
وارتفع إجمالي الإنفاق الدفاعي من 47 مليار يورو في عام 2021 إلى 108 مليارات يورو متوقعة هذا العام، أي ما يعادل 2.
8% من الناتج المحلي الإجمالي.
وقاد المسشتار الألماني رحلة إكمال إنعاش الاقتصاد التي بدأها سلفه أولاف شولتس بإحياء الدفاع وتعزيز قوة ألمانيا في وجه الخوف القادم من روسيا معززاً من وتيرة النمو.
ورغم كل التشاؤم، ألهمت سياسات حكومته السخية بوادر انتعاش، ففي العام الماضي، حقق الاقتصاد نمواً طفيفاً بنسبة 0.
2%، وبدأت طلبات التصنيع في الازدهار، بفضل الإنفاق على الأسلحة والذخائر والمركبات المدرعة والدفاع الجوي وتكنولوجيا الفضاء.
ويقول يوهانس بيندر من معهد" كيل" للاقتصاد العالمي، " نحتاج إلى انتظار المزيد من الأرقام لنعرف ما إذا كان هذا مجرد بصيص أمل أم أنه مؤشر أقوى، ولكن هناك ما يدعو للتفاؤل".
ومما يعطل سعي ميرتس لتجاوز خندق الركود تأخر المصانع في تلبية طلبات الدفاع المكدسة، وعجزها عن مواكبة طلبات السوق الجديدة، ما أدى إلى اختناقات في المرافق وإمدادات العمالة، فضلًا عن البيروقراطية، آفة الاقتصاد الألماني بأكمله.
ويُشبّه كارستن برزيسكي، الخبير في الشؤون الألمانية، الاقتصاد الألماني بـ" زجاجة الكاتشب": تُرجّها لوقت طويل دون جدوى، إلى أن تنفجر فجأة.
وتقف في وجه محاولات الدولة لإنقاذ الاقتصاد من الغرق، استمرار تعطل عجلة الإنتاج الصناعي متأثرة بالركود المستمر بالتراجع منذ 2018 بنسبة وصلت إلى 15%، وما يواكبه من ضغط على الصناعات التقليدية، كصناعة السيارات والكيماويات، واستمرار تسريع العمال بمعدل 14 ألف عامل في قطاع التصنيع شهرياً.
ويبقى أمام الاقتصاد الألماني فرصة نجاة وحيدة، ومن المتوقع أن يكون للإنفاق الضخم على الدفاع والبنية التحتية آثار إيجابية على قطاعات أخرى من الاقتصاد.
فبعض العمال المسرحين، أو مصانع السيارات المتوقفة عن العمل، قد يُعاد توظيفهم لإنتاج الأسلحة والذخائر.
لكن السيد برزيسكي يقول، إن ليس كل العاملين في صناعة السيارات يمكنهم الحصول على وظيفة في قطاع الدفاع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك