لا يمكن فهم علاقة الدولة المصرية بالإعلام خارج سياق اللحظة التاريخية شديدة التعقيد التي تمر بها البلاد، داخلياً وإقليمياً ودولياً، فالإعلام لم يعد مجرد وسيط لنقل الأخبار، أو منصة لترويج السياسات، لكنه في الظرف العالميِّ الراهن أصبح ساحة صراع حقيقية على الوعى، ومجالاً مفتوحاً للتأثير والتشويش وإعادة تشكيل الإدراك الجمعيِّ.
ومن هنا تكتسب التصريحات الأخيرة لضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، أهمية خاصة، ليس فقط بما حملته من تشخيص صريح لأزمة الإعلام في مصر، وإنما بما تضمنته من تصور لدور الدولة في الانتقال من مجرد «إدارة الرسالة» إلى المهمة الأعمق والأخطر: وهي بناء الوعى.
لم يعد مفهوم «وزارة الإعلام» يعني بالضرورة جهازاً رقابياً يمارس وصايته على العقل الجمعيِّ، لكنه يتجه -في السياق المصريِّ- إلى «خلية تنسيق» بين أطراف المنظومة الإعلامية، وفق رؤية متوازنة أعلنها «رشوان» بوضوح: «المهمة هي تفعيل الدستور، وتعزيز التنسيق المؤسسيِّ، وتمثيل الحكومة إعلامياً بصورة منظمة».
هذا التوصيف يحمل اعترافاً ضمنياً بأن الإعلام المصريَّ يعاني أزمة مركبة: أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات، وأزمة تشريعية في تفعيل نصوص الدستور، وأزمة تنسيق بين الهيئات الثلاث (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للصحافة، الهيئة الوطنية للإعلام).
ومن هنا، فإن عودة وزارة الإعلام في التعديل الوزاريِّ لا تعني استعادة الماضي، بل ابتكار لحاضر مختلف، كما يأمل الجميع.
حين يقر وزير الدولة للإعلام بأن الإعلام في مصر يمر بـ«أزمة كبيرة»، فإن هذا الاعتراف لا يمكن التقليل من أهميته.
الأزمات لا يمكن تجاوزها -حتماً- بالإنكار، وإنما بالتشخيص الدقيق، وأزمة الإعلام المصريِّ ليست وليدة اليوم، وتراكمت عبر سنوات ممتدة، وأنتجت اختلالات مهنية، وارتباكاً في الخطاب، وتراجعاً في الثقة، فضلاً عن اتساع الفجوة بين ما يقدمه الإعلام، وما يعيشه المواطن في الواقع.
تبرز قيمة ما قاله «رشوان» بأن «مسمى الوزارة ليس القضية»، لأن الإشكالية أعمق من الشكل الإداريِّ، وتتعلق بوظيفة الإعلام ودوره في الدولة الوطنية الحديثة.
والإعلام الذي يفقد قدرته على الإقناع، أو يتخلى عن دوره النقديِّ «الرشيد»، أو يعجز عن مواكبة التحولات المتسارعة في بيئة الاتصال العالمية، يتحول من أداة لدعم الدولة إلى عبء عليها، حتى وإن لم يكن ذلك مقصوداً.
وما يبعث على التفاؤل، ما أشار إليه وزير الإعلام «الجديد» إلى أن الدستور المصريَّ تضمن مواداً حاكمة، تتعلق بحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والنشر، لكنها تحتاج إلى جهة تنفيذية داخل الحكومة تعمل على تفعيلها وتحويلها إلى سياسات عملية.
هذه الإشارة تضع يدها على واحدة من أهم الإشكاليات، تتمثل في تلك الفجوة الملموسة بين النص الدستوريِّ، والتطبيق العمليِّ.
ظل الإعلام الرسميُّ لسنوات، وبحكم الظروف الصعبة، التي مرت بها البلاد متمسكاً بـ«إدارة الرسالة» بشكل رأسيٍّ، حيث إنتاج «المضامين» في غرف مغلقة، ثم بثها إلى الجمهور المتلقي دون تفاعل حقيقيٍّ.
أما اليوم فإن الوزارة الجديدة تتبنى مقاربة مختلفة، حيث تقترب الحكومة «إعلـامياً» من المواطن، بشرح السياسات، والرد على الاستفسارات، في إطار من الشفافية والمسؤولية.
هذا التحول يعني أن الدولة لم تعد تريد إعلاماً ينقل الخبر فحسب، بل تريد خطاباً يفكك السياسات، ويترجم القرارات، ويجيب عن أسئلة الرأي العام.
إنه انتقال من توظيف الإعلام كجهاز للعلاقات العامة، إلى التعامل معه -ومن خلاله- كفضاء عام لفهم الدولة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك