على مدى ربع قرن، شكّل ميثاق العمل الوطني في مملكة البحرين محطة مفصلية في تاريخ الدولة الحديثة، ومنعطفًا وطنيًا أعاد صياغة العلاقة بين القيادة والشعب، وأرسى أسس مشروع إصلاحي شامل مازالت ثماره تتجلى في مختلف القطاعات، ومع حلول الذكرى الخامسة والعشرين، تتقاطع رؤى مثقفين وأكاديميين خليجيين وعرب في أهمية هذه المرحلة بوصفها نقطة انطلاق لتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، جعلت البحرين نموذجًا إصلاحيًا متوازنًا في المنطقة.
لم يكن وثيقة سياسية بل خريطة طريق صنعتها الحكمة والإجماع الشعبي.
الميثاق.
خريطة طريق بإجماع وطني.
في هذا السياق، يرى الأكاديمي والباحث السياسي الكويتي د.
عايد المناع أن ميثاق العمل الوطني لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل “خريطة طريق رسمها بعقل راجح وحكمة راسخة جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، موجّهًا بها شعبه نحو مزيد من التقدم والارتقاء”، ويؤكد أن التصويت الشعبي الكاسح لصالح الميثاق مثّل لحظة نادرة في التاريخ السياسي العربي، عكست التفافًا وطنيًا واسعًا حول القيادة، ورسالة جماعية بأن تكون البحرين دائمًا في مسار تصاعدي نحو الأفضل.
ويعبر د.
المناع عن إيمانه بأن هذا التوافق الوطني أسّس لشرعية إصلاحية قوية، مكّنت الدولة من المضي بثقة في تحديث مؤسساتها، وتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، وأن البحرين اليوم تحصد ثمار ذلك الخيار التاريخي عبر مكانة متقدمة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وحضور فاعل في محيطها الخليجي والعربي وعلى الساحة الدولية.
الميثاق أسس لدولة القانون ورسخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
دولة القانون والمؤسسات.
رؤية عربية إصلاحية.
هل يمكن وصف التجربة البحرينية بأنها متفردة؟ هنا، تؤكد رئيسة المركز الإعلامي لاتحاد المحامين الخليجيين المحامية الإعلامية الكويتية رشا سالم، أن تجربة البحرين منذ التوقيع على الميثاق بالعام 2001 تُعد من أبرز التجارب الإصلاحية في الفضاء العربي، وترى أن المشروع الإصلاحي أسّس لمرحلة جديدة قوامها دولة القانون والمؤسسات، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتوسيع هامش الحريات المسؤولة، بما دعم الاستقرار ورسّخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
الإصلاحات الدستورية والتشريعية - وفق منظور رشا - أسهمت في تحديث البنية القانونية وتطوير أداء المؤسسات، وهو ما انعكس إيجابًا على كفاءة العمل الحكومي، وجاذبية البيئة الاستثمارية، وتحسن مؤشرات الحوكمة، علاوة على الاستثمار في الإنسان البحريني وهو ركيزة أساسية في المشروع الإصلاحي، من خلال دعم التعليم والبحث العلمي وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة التحول الاقتصادي والمعرفي.
الإصلاح الذي يصدر من القمة وبدعم شعبي يتحول إلى قاعدة صلبة للمستقبل.
الزرعوني: الركائز.
حقوق وواجبات.
يلفت الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي مصطفى الزرعوني، إلى أن ميثاق العمل الوطني صدر في توقيت بالغ الدقة، مستندًا إلى قراءة عميقة لحاجات المجتمع البحريني وتطلعاته المستقبلية.
وقد شكّل الميثاق، بحسب الزرعوني، عقدَ ثقةٍ متبادلًا بين القيادة والشعب، أعاد الحياة الدستورية إلى الواجهة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل البرلماني والتنظيم المؤسسي، مع تأكيدٍ واضح للحقوق والحريات العامة بوصفها ركائز أساسية للدولة الحديثة.
ويؤكد أن ما يميّز هذا القرار التاريخي أنه لم يُطرح كإجراء إداري معزول أو استجابة ظرفية، بل جاء كخيار استراتيجي طويل المدى، يهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية، وتحصين الجبهة الداخلية، وترسيخ صورة البحرين دولةً قادرة على التطور من داخلها، وبإرادتها السيادية، ومن خلال منطق إصلاحي هادئ ومتدرّج، يوازن بوعي بين الأصالة ومتطلبات العصر، ويوضح بالقول “بهذا المسار لا تنطلق من رمزيته السياسية فحسب، بل من نتائجه العملية الملموسة، التي وضعت أسس مرحلة سياسية جديدة، وأن الرهان على الحوار وبناء المؤسسات هو الاستثمار الأكثر رسوخًا في المستقبل، وفي زمن تتكاثر فيه التحديات الإقليمية والدولية، يظل هذا النوع من القرارات شاهدًا على أن العقلانية والشراكة الوطنية تمثلان الطريق الأمثل لصون الاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة”.
ويخلص إلى أن هذا القرار سيبقى حاضرًا في الذاكرة السياسية البحرينية كنقطة تحوّل مفصلية، أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ورسّخت قناعة راسخة بأن الإصلاح، حين يصدر من القمة ويستند إلى تفويض شعبي واسع، يتحول إلى قاعدة صلبة لمسار طويل من البناء، والثقة المتبادلة، والتقدم الوطني.
الميثاق أطلق تحولات اقتصادية وعلمية صنعت بيئة تنموية مستقرة.
تحولات اقتصادية وسياحية ومؤسسية.
ويصف الأستاذ الجامعي السعودي د.
سعيد الجارودي ميثاق العمل الوطني، أنه نقطة تحول مفصلية في مسار الدولة الحديثة، أطلقت حزمة إصلاحات شاملة أعادت صياغة العلاقة بين المؤسسات والمجتمع، وأرست بيئة تنموية مستقرة وجاذبة.
ويؤكد أن وضوح الرؤية والتدرج في التطبيق ساهما في ترجمة الأهداف الإصلاحية إلى إنجازات ملموسة.
ويشير إلى أن المجال العلمي حظي باهتمام خاص، عبر تطوير منظومة التعليم العالي، ودعم البحث العلمي، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل؛ ما أسهم في بناء رأس مال بشري مؤهل.
كما يلفت إلى أن هذا الاستثمار المعرفي كان أساسًا للتحول الاقتصادي، خصوصًا في قطاعات الخدمات المالية والاقتصاد الرقمي.
وفي السياحة، يؤكد أن البحرين نجحت في تنويع منتجها السياحي من خلال الجمع بين التراث الثقافي وسياحة المؤتمرات والمعارض، مستندة إلى بنية تحتية متطورة واستقرار تشريعي، وعلى الصعيد المؤسسي، أسهم تحديث القوانين وتعزيز الشفافية في جذب الاستثمارات ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
تجمع هذه القراءات الخليجية والعربية على أن ميثاق العمل الوطني لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية لمسار إصلاحي طويل الأمد.
وبعد 25 عامًا، تبدو البحرين نموذجًا لدولة صغيرة بحجمها، كبيرة بأعمالها وحضورها، قادرة على تحقيق تنمية متوازنة تجمع بين التحديث المؤسسي، والاستقرار السياسي، وصون الهوية الوطنية، في تجربة تُعد مرجعًا مهمًا في مسار الإصلاح العربي المعاصر.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك