لا تمثل ذكرى ميثاق العمل الوطني مجرد استفتاء ذي دلالة سياسية في الوجدان الجمعي لشعب البحرين، بل هي لحظة ذات أهمية تاريخية كبرى تعكس فلسفة “المواثيق” بين الحاكم والشعب في سياق الدولة.
إن إعلان عام 2026 “عام عيسى الكبير” يجسد رابطًا زمنيًّا وموضوعيًّا يعبر عن دولة لم تُبنَ على الحداثة الطارئة، بل على إرث ذي شأن عظيم؛ هذا الإرث الذي كان حجر الزاوية للتوافق والشعبية في مسيرة الدولة منذ بداياتها الأولى.
إن تاريخ مملكة البحرين يعكس ملفاً دبلوماسياً وسياسياً فريداً في سياق العقد الاجتماعي؛ فالميثاق الذي أصدره حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، يعكس الإرث التطوري لمنهج عيسى الكبير، حاكم البحرين وتوابعها، والذي وضع لبنات الدولة البحرينية الحديثة على مبادئ التنظيم، والشرعية، والسكينة المجتمعية.
إن انتقال السلطة في عهد عيسى الكبير، بما حمله من إرث القبول العام والبيعة المقترنة بمظاهر التأييد الشعبي العلني، يمثل “الشيفرة الوراثية” التي انبثق منها الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني في نهاية المطاف.
وترتكز براعة البحرين في عالم السياسة والمواثيق على القدرة على موازنة مفاهيم الأصالة والتحديث؛ فبينما يستلهم الوطن من إرث عيسى الكبير في تطوير المؤسسات، فإنه شرع في الوقت ذاته في صياغة وثيقة وطنية حديثة تمكّن البلاد من النماء.
وقد أدى ذلك إلى تحول الذاكرة الوطنية إلى قوة ناعمة لا تكتفي باستحضار الماضي، بل تسخره لتلبية متطلبات الحاضر.
إن سمات الحكمة، والتدرج، واحترام القانون، والتي تجلت في إرث عيسى الكبير، برزت بوضوح في روح الميثاق؛ ما جعل البلاد تُعرف بوصفها نموذجًا للاستقرار والديمقراطية القائمة على الوعي الشعبي قبل الشروع في الإجراءات الرسمية.
إن ربط هذه الذكرى الوطنية بعام عيسى الكبير يحمل رسالة جوهرية؛ مفادها أن صلابة البلاد تكمن في فهم الجذور والتمسك بها.
لقد وُلد مشروع وطني يستمد متانته من تاريخ عريق لم تكن فيه إدارة البلاد مجرد سعي لمواكبة العصر فحسب، بل كانت جهدًا مخلصًا لتأسيس دولة المؤسسات.
هكذا استقرت البحرين كدولة تستمد قوتها من تاريخها دون أن تتقيد به، لإيمانها الراسخ بأن المواثيق الحقيقية بين القيادة والشعب هي الحصن المنيع الذي لا يهتز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك