الجزيرة نت - الثامن من رمضان.. دولة الإسلام الأولى تتحدى القوى الكبرى يني شفق العربية - نتنياهو يهاجم انتقادات في واشنطن لحكومة الاحتلال بخصوص غزة روسيا اليوم - الذهب يحقق مكاسب بدعم من مخاوف الرسوم الجمركية الأمريكية الجزيرة نت - بعد أمطار استثنائية.. أسراب من الجراد تجتاح جنوب المغرب روسيا اليوم - أرقام رسمية تكشف تراجع التدين وتحول تركيا نحو العلمنة قناة الغد - الذهب يرتفع مع استمرار الغموض بشأن رسوم ترمب الجمركية يني شفق العربية - "من الهند إلى كوش".. نتنياهو يسعى لتشكيل تحالف ضد محورين "شيعي وسني" روسيا اليوم - من الكُحل إلى الكحول إيلاف - رمضان بين التراويح وماراثون المسلسلات! روسيا اليوم - تركيا.. رئيس البرلمان يناقش مع الأحزاب تقرير لجنة المصالحة مع "العمال الكردستاني"
عامة

من الألم إلى الفعل .. في مسؤولية الفرد السوداني تجاه وطنه المجروح

سودانايل الإلكترونية

في خضم الانهيار الذي نعيشه، وفي قلب العاصفة التي تقتلع كل ما هو ثابت ومألوف، اعتدنا أن نطرح الأسئلة الكبرى: ماذا حدث للسودان؟ من المسؤول عن هذا الخراب؟ كيف وصلنا إلى هذا الدرك؟ أين أخطأت النخب؟ وما هو...

ملخص مرصد
في ظل الانهيار السوداني، يدعو الكاتب إلى الانتقال من دور المتفرج الذي يحلل المأساة إلى الفاعل الذي يساهم في صنع النجاة، مؤكداً أن الوطن مسؤولية شخصية تقع على عاتق كل فرد وليس حكراً على السياسيين والجنرالات.
  • يدعو الكاتب للانتقال من سؤال "ماذا حدث؟" إلى "ماذا أفعل؟" كأصعب انتقال معرفي ونفسي في زمن الكوارث
  • يحذر من فخ "ثقافة الضحية" التي تحول الألم إلى شلل وتغذي دوائر الانتقام
  • يؤكد أن الصمت في مواجهة الظلم هو انحياز للظالم ومشاركة في الجريمة
من: الشعب السوداني أين: السودان

في خضم الانهيار الذي نعيشه، وفي قلب العاصفة التي تقتلع كل ما هو ثابت ومألوف، اعتدنا أن نطرح الأسئلة الكبرى: ماذا حدث للسودان؟ من المسؤول عن هذا الخراب؟ كيف وصلنا إلى هذا الدرك؟ أين أخطأت النخب؟ وما هو دور القوى الإقليمية والدولية؟هذه أسئلة مشروعة، بل وضرورية.

إنها محاولات العقل لفهم ما لا يُفهم، وترتيب فوضى لا تُحتمل.

لكن في لحظة تاريخية فارقة كهذه، حين لا يعود الوطن مجرد فكرة مجردة نناقشها في صالوناتنا الفكرية، بل يصبح جرحاً نازفاً في أرواحنا، وحين لا تعود الدولة مجرد مؤسسات ننتقدها، بل فراغاً مخيفاً يهدد بابتلاعنا جميعاً، فإن هذه الأسئلة الكبرى، على أهميتها، قد تتحول إلى ستار مريح نحتمي به من مواجهة السؤال الأكثر إلحاحاً وإيلاماً: ماذا فعلتُ أنا؟هذا ليس سؤالاً لجلد الذات، ولا دعوة لليأس.

إنه، على العكس تماماً، دعوة لاستعادة زمام المبادرة، وللانتقال من موقع المتفرج الذي يحلل المأساة، إلى موقع الفاعل الذي يساهم في صنع النجاة.

إنه الإقرار بأن الوطن ليس ملكية حصرية للسياسيين والجنرالات، بل هو مسؤولية شخصية تقع على عاتق كل فرد منا.

إنه الإدراك بأن الانهيار الذي نعيشه ليس مجرد انهيار للدولة، بل هو أيضاً اختبار لصلابتنا الأخلاقية وقدرتنا على الفعل.

إن الانتقال من سؤال “ماذا حدث؟ ” إلى سؤال “ماذا أفعل؟ ” هو أصعب انتقال معرفي ونفسي يمكن أن يقوم به إنسان في زمن الكوارث.

لأنه ينقلنا من منطقة الراحة (تحليل أخطاء الآخرين) إلى منطقة المسؤولية (الاعتراف بدورنا).

وهذا هو بالضبط ما يحتاجه السودان اليوم: ليس المزيد من المحللين، بل المزيد من الفاعلين.

ليس المزيد من المراقبين، بل المزيد من المبادرين.

ليس المزيد ممن يسألون “لماذا؟ ”، بل المزيد ممن يسألون “كيف؟ ”.

فخ الضحية: حين يتحول الألم إلى شلل.

لا يمكن لأحد أن ينكر حجم الألم الذي لحق بكل سوداني وسودانية.

لا يمكن لأحد أن يستهين بجرح الفقد، أو صدمة النزوح، أو مهانة اللجوء، أو قلق البقاء.

كلنا، بطريقة أو بأخرى، ضحايا لهذه الحرب اللعينة.

لكن هنا يكمن الفخ الأخطر: أن تتحول هوية “الضحية” من وصف مؤقت لحالة عابرة، إلى هوية دائمة تُعرّفنا وتُشلّ حركتنا.

إن ثقافة الضحية، حين تتجذر في وعي شعب ما، تصبح أخطر من الحرب نفسها.

لأنها تُنتج عقلاً سلبياً، ينتظر الخلاص من الخارج، ويلقي باللوم على الآخرين، ويفقد أي شعور بالقدرة على تغيير واقعه.

العقل الذي يسكنه منطق الضحية هو عقل يرى العالم من خلال عدسة المظلومية فقط.

هو عقل لا يبحث عن حلول، بل يبحث عن متعاطفين.

لا يبحث عن قوة، بل يبحث عن شفقة.

لا يبحث عن مسؤولية، بل يبحث عن مذنب.

إن الاعتراف بالألم حق، والتعاطف مع الضحايا واجب.

لكن البقاء في حالة الضحية هو اختيار.

هو الاستسلام السهل لإغراء عدم تحمل المسؤولية.

هو القرار الضمني بأن معاناتنا تمنحنا الحق في ألا نفعل شيئاً، وأن جراحنا تعفينا من واجباتنا تجاه الوطن والمستقبل.

والأخطر من ذلك، أن هوية الضحية هي التي تغذي دوائر الانتقام التي لا تنتهي.

فالضحية التي لا تتجاوز إحساسها بالمظلومية، ولا تحوّل ألمها إلى وعي، سرعان ما تتحول إلى جلاد جديد، يمارس على الآخرين نفس الظلم الذي وقع عليه، معتقداً أن ألمه يمنحه الحق في ذلك.

وهذا هو بالضبط ما رأيناه ونراه في تاريخنا الدامي: ضحايا الأمس يصبحون جلادي اليوم، في حلقة جهنمية من العنف والعنف المضاد.

إن الخروج من فخ الضحية لا يعني إنكار الألم، بل يعني تجاوزه.

يعني أن نرفض أن تُعرّفنا جراحنا.

يعني أن ندرك أن معاناتنا لا تمنحنا امتيازاً، بل تفرض علينا مسؤولية: مسؤولية أن نعمل حتى لا يتكرر هذا الألم لأحد غيرنا.

إنها اللحظة التي يتحول فيها الألم من ثقل يسحقنا، إلى دافع يحررنا.

إنها لحظة الانتقال من “لماذا حدث هذا لي؟ ” إلى “ماذا سأفعل حتى لا يحدث هذا مرة أخرى؟ ”.

الصمت المريح: حين يصبح عدم الفعل اختياراً سياسياً.

في مواجهة الانهيار، لا يوجد شيء اسمه “الحياد”.

فالحياد في زمن الظلم هو انحياز للظالم.

والصمت في مواجهة الجريمة هو مشاركة فيها.

لكن هناك نوعاً من الصمت، أكثر تعقيداً وتركيباً، تحول إلى ظاهرة واسعة في المشهد السوداني اليوم.

إنه ليس صمت الخوف بالضرورة، ولا صمت الرضا، بل هو “الصمت المريح”: اختيار واعٍ بالانسحاب من الشأن العام، وتجنب اتخاذ المواقف، والانكفاء على الذات والأسرة والدائرة الضيقة.

هذا الصمت له مبرراته الظاهرية المقنعة: “السياسة قذرة”، “كلهم فاسدون”، “لا فائدة من الكلام”، “صوتي لن يغير شيئاً”، “أريد فقط أن أعيش بسلام”.

هذه المبررات، التي تبدو منطقية وحكيمة في ظاهرها، هي في الحقيقة غطاء نفسي لفعل سياسي بامتياز: فعل التخلي عن المسؤولية.

إنه قرار واعٍ بترك الساحة العامة للأسوأ والأكثر ضجيجاً وعنفاً.

إن هذا الصمت المريح هو الذي يخلق الفراغ الذي يملؤه المتطرفون.

هو الذي يسمح لخطابات الكراهية بأن تنتشر دون مقاومة.

هو الذي يجعل من الممكن ارتكاب الفظائع في وضح النهار دون أن يرتفع صوت للاحتجاج.

هو الذي يمنح الشرعية للجلادين، ليس لأن الناس توافقهم، بل لأنهم صامتون.

إن كل فرد يختار الصمت اليوم، بحجة “البعد عن وجع الدماغ”، هو في الحقيقة يساهم في بناء الجدار الذي سيقع على رأسه ورأس أطفاله غداً.

كل شخص يقرر أن “ما يحدث لا يعنيني”، سيكتشف، بعد فوات الأوان، أن الانهيار لا يستثني أحداً.

كل من يختار أن يكون “في حاله”، سيجد أن “حاله” نفسه قد أصبح مستحيلاً في وطن منهار.

إن تشريح هذا الصمت وفضحه هو خطوة ضرورية لإعادة بناء الوعي.

يجب أن ندرك أن الصمت ليس موقفاً سلبياً، بل هو فعل إيجابي له عواقبه.

هو قرار له تكلفته.

هو اختيار سياسي نتحمل جميعاً مسؤوليته.

والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل صامت على نفسه اليوم ليس: “لماذا أتكلم؟ ”، بل: “ما هي تكلفة صمتي؟ ”.

المسؤولية الفردية في زمن الانهيار الجماعي.

قد يبدو الحديث عن “المسؤولية الفردية” في مواجهة انهيار دولة كاملة، وفي ظل وجود جيوش وميليشيات وقوى دولية، حديثاً مثالياً وساذجاً.

قد يسأل سائل: ما الذي يستطيعه فرد أعزل في مواجهة كل هذا؟ ما قيمة فعلي الصغير أمام هذا الخراب الهائل؟هذا السؤال، على وجاهته، ينطلق من فرضية خاطئة: أن التغيير لا يحدث إلا من خلال الأفعال الكبرى، وأن القوة تكمن فقط في امتلاك السلاح أو السلطة.

لكن التاريخ يعلمنا درساً مختلفاً.

يعلمنا أن الأنظمة الأكثر قمعاً لا تسقط بالضرورة بفعل الجيوش، بل بفعل تآكل شرعيتها في وعي الناس.

يعلمنا أن الثورات الكبرى لا تبدأ في القصور الرئاسية، بل في قلوب الأفراد الذين قرروا أن يقولوا “لا”.

إن مسؤولية الفرد في زمن الانهيار لا تكمن في قدرته على إيقاف الحرب بنفسه، بل في قدرته على أن يخلق، في دائرته الصغيرة، نموذجاً مضاداً لمنطق الانهيار.

إنها مسؤولية أن تكون “خلية مناعة” في جسد الوطن المريض.

أن تكون نقطة ضوء في بحر من الظلام.

أن تكون برهانًا حيًا على أن سودانًا آخر ممكن.

هذه المسؤولية تتجلى في أفعال قد تبدو صغيرة، لكنها في الحقيقة عظيمة في معناها وتأثيرها التراكمي:

مسؤولية الحقيقة: في زمن البروباغندا والتضليل، يصبح مجرد التمسك بالحقيقة، والتحقق من الأخبار قبل نشرها، ورفض تداول الشائعات، فعلاً من أفعال المقاومة.

أن تكون مصدراً للثقة في محيطك هو أن تبني لبنة في جدار المناعة المجتمعية ضد وباء الكذب.

مسؤولية اللغة: في زمن خطاب الكراهية والتخوين، يصبح استخدام لغة محترمة، ورفض شيطنة الآخر، والإصرار على الحوار العقلاني، فعلاً ثورياً.

أن تحافظ على إنسانية خصمك في لغتك هو أن تحافظ على إمكانية السلام في المستقبل.

مسؤولية التعاطف: في زمن الاستقطاب الذي يطلب منك أن تتعاطف فقط مع “معسكرك”، يصبح توسيع دائرة تعاطفك لتشمل كل متألم، بغض النظر عن انتمائه، فعلاً من أفعال بناء الوطن.

أن تتذكر أن الإنسانية تسبق السياسة هو أن تضع حجر الأساس للمصالحة القادمة.

مسؤولية المهنية: في زمن الفوضى والتسيب، يصبح مجرد إتقانك لعملك، أيًا كان، فعلاً وطنياً.

الطبيب الذي يعالج مرضاه دون تمييز، والمعلم الذي يربي تلاميذه على قيم العلم والنقد، والمهندس الذي يرفض الغش في مواد البناء، والعامل الذي يتقن صنعته، كلهم يبنون الوطن من خلال مهنيتهم.

مسؤولية الأمل: في زمن اليأس الذي يروج له أمراء الحرب، يصبح مجرد التمسك بالأمل، والعمل من أجله، ونشره فيمن حولك، فعلاً من أفعال التحدي.

الأمل ليس عاطفة سلبية، بل هو قرار واعٍ بأن المستقبل لم يُكتب بعد، وأننا نملك القدرة على المشاركة في كتابته.

إن هذه المسؤوليات الصغيرة، حين يمارسها الملايين، تتحول إلى قوة جبارة لا يمكن لأي نظام قمعي أن يهزمها.

إنها القوة الناعمة التي تهزم القوة الصلبة.

إنها القوة التي تعيد بناء الأمة من الأسفل، فرداً فرداً، وخلية خلية.

الشتات كمختبر: السوداني في المهجر بين الذنب والفعل.

للسودانيين في المهجر قصة خاصة مع هذا الانهيار.

إنهم يعيشون مأساة مزدوجة: ألم البعد عن الوطن، والشعور بالذنب تجاه الأهل والأصدقاء الذين بقوا في الداخل تحت نيران الحرب.

هذا الشعور بالذنب، الذي يُعرف بـ “ذنب الناجي” (Survivor’s Guilt)، يمكن أن يكون قوة مدمرة، تدفع صاحبها إلى اليأس أو العزلة أو جلد الذات.

لكنه يمكن أيضاً أن يكون وقوداً هائلاً للفعل الإيجابي.

إن الشتات السوداني اليوم ليس مجرد مجموعة من اللاجئين، بل هو “مختبر” يمكن أن تُصنع فيه ملامح السودان الجديد.

فالسوداني في المهجر، بحكم وجوده في بيئة آمنة ومستقرة نسبياً، وبحكم احتكاكه بثقافات وأنظمة حكم مختلفة، يمتلك فرصة فريدة لا يمتلكها من هو في الداخل:

1.

فرصة التفكير الهادئ: بعيداً عن ضغط الخطر المباشر، يمكن للسوداني في المهجر أن يفكر بهدوء وعمق في جذور الأزمة، وأن يقرأ ويحلل ويقارن، وأن يساهم في إنتاج المعرفة التي يحتاجها الوطن.

2.

فرصة التنظيم الفعال: يمكن للمهجر أن يكون مساحة لبناء تنظيمات مجتمع مدني ناضجة، تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والجهوية، وتعمل على أساس البرامج والمشاريع، وتكون جسراً بين الداخل والخارج.

3.

فرصة الحشد والمناصرة: يمتلك الشتات القدرة على الوصول إلى صناع القرار في العالم، ووسائل الإعلام الدولية، والمنظمات الحقوقية، ويمكنه أن يلعب دوراً حاسماً في فضح الانتهاكات، وحشد الدعم الإنساني، والضغط من أجل حل سياسي عادل.

4.

فرصة بناء النموذج: يمكن للجاليات السودانية في الخارج أن تقدم نموذجاً مصغراً للسودان الذي نحلم به: سودان يسوده التعايش والتكافل واحترام التنوع وسيادة القانون.

أن تنجح جالية ما في حل خلافاتها بشكل ديمقراطي، أو في إطلاق مشروع خيري ناجح، هو رسالة أمل قوية للداخل.

إن الانتقال من الشعور بالذنب إلى الفعل المسؤول يتطلب من السوداني في المهجر أن يطرح على نفسه سؤالاً محدداً: كيف يمكنني أن أستخدم الموارد والفرص التي أمتلكها هنا (الوقت، الأمان، المعرفة، العلاقات، المال) لخدمة من هم في الداخل؟الإجابات لا حصر لها: من دعم الأهل مادياً، إلى الانخراط في حملات المناصرة، إلى المشاركة في المبادرات الفكرية، إلى دعم منظمات المجتمع المدني، إلى نقل المعرفة والخبرة، إلى الاستثمار في مشاريع تنموية صغيرة.

كل فعل، مهما صغر، هو مساهمة في بناء الجسر الذي سيعبر عليه الوطن من ضفة الانهيار إلى ضفة التعافي.

من الألم إلى البصيرة: كيف يتحول الجرح الشخصي إلى وعي بنّاء.

إن الألم، في حد ذاته، لا قيمة له.

يمكن للألم أن يسحق الإنسان، أو يدفعه إلى الجنون، أو يحوله إلى وحش.

لكن الألم يمكن أيضاً أن يكون أعظم معلم.

يمكنه أن يفتح في الروح نوافذ لم تكن موجودة، وأن يمنح الإنسان بصيرة لم يكن ليحصل عليها في أوقات الرخاء.

السؤال ليس: هل نتألم؟ فكلنا نتألم.

السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل بألمنا؟إن تحويل الألم إلى بصيرة هو عملية كيميائية معقدة، تتطلب شجاعة ووعياً.

إنها القدرة على أن ننظر إلى جرحنا الشخصي ليس كحادثة فردية معزولة، بل كجزء من جرح جماعي أكبر.

أن نرى في قصتنا الشخصية انعكاساً لقصة الوطن.

أن ندرك أن الظلم الذي وقع علينا ليس مجرد صدفة سيئة، بل هو نتيجة لبنية سياسية واجتماعية فاسدة أنتجت هذا الظلم بشكل منهجي.

عندما يحدث هذا التحول، يتوقف الألم عن كونه مجرد معاناة سلبية، ويصبح مصدراً للمعرفة والوعي.

الشخص الذي فقد بيته في الحرب لا يعود مجرد “نازح”، بل يصبح شاهداً حياً على عبثية الحرب، وداعياً متحمساً للسلام.

المرأة التي تعرضت للعنف لا تعود مجرد “ضحية”، بل تصبح صوتاً يطالب بالعدالة وحماية كرامة الإنسان.

المواطن الذي تعرض للإهانة على يد جندي لا يعود مجرد “مظلوم”، بل يصبح مدافعاً عن مبدأ سيادة حكم القانون.

إن هذا التحول من الألم إلى البصيرة هو الذي يصنع القادة الحقيقيين.

ليس قادة الأحزاب والجيوش، بل قادة الوعي في المجتمع.

هم أفراد عاديون، لم يختاروا المعاناة، لكنهم اختاروا أن يمنحوا معاناتهم معنى.

اختاروا أن يحولوا جراحهم الشخصية إلى قضية عامة، وأن يجعلوا من تجربتهم الفردية درساً للجميع.

إن السودان اليوم مليء بهذه القصص.

ملايين القصص من الألم والمعاناة.

وكل قصة منها هي بذرة لوعي جديد.

ومسؤوليتنا الجماعية هي أن نوفر المناخ الذي يسمح لهذه البذور بأن تنمو.

أن نصغي لهذه القصص، وأن نتعلم منها، وأن نجعلها جزءاً من ذاكرتنا الجماعية.

لأن في هذه القصص، وليس في خطابات السياسيين، تكمن الحقيقة العارية للأزمة السودانية، وفيها أيضاً يكمن الأمل الحقيقي للخروج منها.

خاتمة: الوطن ليس فكرة مجردة، بل مسؤولية يومية.

في نهاية المطاف، إن بناء الوطن ليس مشروعاً هندسياً ضخماً تقوم به الدولة، بل هو عمل يومي، يشبه عمل الفلاح الذي يرعى أرضه كل يوم، ويزيل الأعشاب الضارة، ويسقي الزرع، وينتظر بصبر حتى يحين وقت الحصاد.

الوطن ليس فكرة مجردة نحبها، بل هو مجموعة من الأفعال الصغيرة التي نقوم بها كل يوم، والتي تعكس إيماننا بهذا الوطن.

إن مسؤوليتنا الفردية تجاه السودان اليوم لا تتطلب منا أن نكون أبطالاً خارقين.

إنها تتطلب منا فقط أن نكون بشراً مسؤولين.

أن نرفض أن نكون مجرد ضحايا سلبيين أو متفرجين صامتين.

أن نختار الفعل بدلاً من الشكوى.

أن نختار البناء بدلاً من اللعنات.

أن نختار الأمل بدلاً من اليأس.

إن كل فعل حقيقة في مواجهة الكذب، وكل فعل تعاطف في مواجهة الكراهية، وكل فعل مسؤولية في مواجهة الفوضى، هو حجر صغير نضعه في صرح الوطن الجديد.

قد لا نرى نتيجة أفعالنا اليوم أو غداً.

قد يبدو عملنا كنقطة ماء في محيط.

لكن المحيطات نفسها ليست سوى ملايين من نقاط الماء.

والتاريخ ليس سوى محصلة الأفعال الصغيرة لملايين الأفراد الذين قرروا ألا يستسلموا.

السودان اليوم ليس أرضاً محروقة، بل هو أرض عطشى.

عطشى للحقيقة، والعدالة، والرحمة، والمسؤولية.

ومسؤوليتنا، كأفراد، هي أن نكون قطرات الماء التي تروي هذا العطش.

أن نكون الدليل الحي على أن هذا الشعب، الذي تحمل ما لا يطاق، لا يزال قادراً على أن ينهض من تحت الرماد، وأن يبني، بوعيه وفعله ومسؤولياته الصغيرة، وطناً يليق بتضحياته وآلامه وأحلامه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك