في صباحٍ شتويٍّ دافئ، ارتدت الإسكندرية ثوبها الأزرق المطرّز بشيءٍ من الحُمرة، كأن البحر نفسه قرر أن يشارك العشاق احتفالهم بعيد الحب.
على امتداد الكورنيش، من المنشية حتى سيدي بشر، تحوّل الشريط الساحلي إلى مسرح مفتوح للحب، حيث تتعانق الأمواج مع ضحكات الشباب، وتتمايل الورود الحمراء في أيدي العابرين كما لو كانت إشارات ضوءٍ ترشد القلوب إلى بعضها.
الإسكندرية ليست مجرد مدينة تحتفل بعيد الحب؛ إنها مدينة لها تاريخ طويل مع العشق.
منذ أن أسسها الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد، حملت طابع المدن التي وُلدت على تخوم الأسطورة.
مدينة جمعت بين حضارات المتوسط، وبين الشرق والغرب، فصارت بطبيعتها مساحة للقاء، ومسرحًا للحكايات، وميناءً لا ترسو فيه السفن فقط، بل المشاعر أيضًا.
حين يُذكر الحب في الإسكندرية، تحضر كليوباترا.
الملكة التي ارتبط اسمها بأشهر قصص العشق في التاريخ، مع يوليوس قيصر أولًا ثم مارك أنطونيو.
في هذه المدينة، وعلى سواحلها، تشكّلت تحالفات سياسية في هيئة قصص حب، واختلطت السلطة بالعاطفة، وصار البحر شاهدًا على لحظات غيّرت وجه الإمبراطورية الرومانية.
وتحضر أيضًا أسطورة “عروس البحر”، تلك الحكايات الشعبية التي تناقلها الصيادون عن حورية تظهر عند الفجر، تجلس على الصخور وتغني، فتسحر القلوب قبل العيون.
قد لا تكون الأسطورة حقيقية، لكن الإسكندرية تعيش على هذا المزج الدائم بين الواقع والحلم، بين التاريخ والحكاية، وهو ما يجعلها مدينة مثالية لعيد الحب.
مع ساعات الصباح الأولى، بدأ الكورنيش يستقبل زواره.
شباب يحملون باقات الورد، فتيات يتهادين بثياب يغلب عليها الأحمر، عائلات قررت أن تجعل من اليوم مناسبة للدفء الإنساني، لا للعشاق فقط.
امتدت الأكشاك الصغيرة على جانبي الطريق، تعرض ورودًا ودُمى وقلوبًا حمراء، بينما ازدانت واجهات المحال بعبارات رومانسية وأضواء ناعمة.
في محطة الرمل، تحوّلت الساحة إلى نقطة تصوير مفتوحة.
مقاعد مزينة بالورود، بالونات تتمايل في الهواء، ومصورون محترفون وهواة يتنافسون على التقاط أفضل لقطة.
الكاميرات لم تكن مجرد أدوات توثيق، بل كانت جزءًا من الطقس نفسه؛ فكل صورة هي محاولة لتجميد لحظة، وكأن العشاق يريدون أن يحتفظوا بالبحر خلفهم إلى الأبد.
على الصخور المقابلة للمياه، وقف البعض يتأمل الأفق.
الشمس أرسلت خيوطها الذهبية على صفحة البحر، فبدا المشهد كما لو أنه لوحة زيتية تتبدل ألوانها مع كل موجة.
مع اقتراب الظهيرة، امتلأت المطاعم والمقاهي المطلة على البحر بروادها.
تنافست الأماكن في إعداد قوائم خاصة بالمناسبة؛ أطباق تحمل أسماء رومانسية، مشروبات بلون الورد، وزوايا مخصصة لالتقاط الصور.
لكن، في الإسكندرية، لا تحتاج الطاولة إلى الكثير من الزينة؛ يكفي أن يكون البحر في الخلفية، وأن تمر نسمة خفيفة لتعيد ترتيب تفاصيل اللحظة.
رغم أن عيد الحب مناسبة عالمية، فإن للإسكندرية نكهتها الخاصة.
المدينة التي عاشت تحولات سياسية وثقافية كبرى، ومرّت عليها عصور ازدهار وأخرى انكسار، ما زالت قادرة على أن تستعيد شبابها كل عام في يوم كهذا.
الحب هنا ليس ترفًا، بل فعل مقاومة للرتابة، وإعلانًا بأن البحر ما زال قادرًا على جمع الناس حول أفقٍ واحد.
الإسكندرية، التي ألهمت شعراء مثل كفافيس وكتّابًا كإدوارد الخراط، تواصل كتابة نصها المفتوح على الماء.
في عيد الحب، لا تكون المدينة مجرد خلفية رومانسية، بل شريكًا أساسيًا في الحكاية.
الموج يعزف، والريح تهمس، والقلوب تصغي.
وعندما يغيب النهار، وتبدأ الأضواء الصفراء في الانعكاس على صفحة البحر، تبدو الإسكندرية كأنها تطوي صفحة يومٍ جديد من دفاتر العشق.
لكن الحكاية لا تنتهي؛ فهذه المدينة، التي تعلّمت أن تعيش بين الأسطورة والواقع، تعرف جيدًا أن الحب فيها ليس مناسبة عابرة، بل حالة دائمة تتجدد مع كل موجة، وكل لقاء، وكل صورة تُلتقط على كورنيش لا يشيخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك