تبهرك السينما بعوالمها ومدارسها، لكن القضية الجوهرية لا تكمن في المفاضلة التقليدية بين الأفلام، بل في ذلك العمل الذي يستوقف المتلقي عبر" جوهر عملية الخلق".
وأخص بالذكر تلك السينما التي تعيد صياغة مفهوم الزمن، وتفتت الحدث بين أزمنة متعددة تتداخل فيها الذاكرة بالواقع؛ تماماً كما في التحفة الخالدة" هيروشيما حبيبي"، الذي صدم الذائقة في مطلع الستينات بجرأته في تطويع" الزمن السينمائي" وتقديمه لبناء درامي شديد التركيب والتعقيد.
ما يثير" الارتباك الجمالي" في فيلم المخرج البريطاني كاريل رايز" امرأة الملازم الفرنسي" (1981)، من بطولة ميريل ستريب وجيريمي آيرونز، والذي استمتعت بمشاهدته يوم أمس على إحدى المنصات الرقمية هو تلك اللعبة السردية الماكرة التي تتلاعب بوعي المشاهد تجاه الزمن.
فنحن أمام زمنين يفصل بينهما أكثر من مائة عام، يُجسدان من خلال ذات الوجوه، مما ينفي تماماً فكرة" الفلاش باك" التقليدي أو الاسترجاع الخطي للأحداث.
بتبسيط أكثر.
نحن نرقب مشهداً يجمع بين" تشارلز" و" سارة" في عام 1867، ثم وبانتقال خاطف، نجد نفس الملامح ونفس الممثلين في عصرنا الحالي، ولكن بهوية مغايرة تماماً، " مايك" و" آنا".
هما شخصيتان مختلفتان كلياً رغم وحدة الملامح؛ ليس فقط لثبات العمر الذي يوهمنا بالاستمرارية، بل لأن التركيبة السيكولوجية لشخصيات الحاضر لا تمت بصلة لتعقيدات الماضي المنصرم.
قد يبدو التفسير للوهلة الأولى بسيطاً، فالفيلم يحرص منذ اللقطة الأولى على كشف اللغز؛ فنحن أمام" فيلم داخل فيلم".
ومن خلال مونتاج منطقي ومتوازن، ننتقل بين طاقم العمل المعاصر وبين أحداث الرواية التاريخية التي يصورونها.
نرى" مايك" و" آنا" الممثلين وهما يذوبان في دوري" تشارلز" و" سارة.
".
هذا الأسلوب في التداخل بين الممثل والشخصية ليس بجديد، فقد ركزت أفلام عديدة على سطوة" التقمص".
لكنني أتصور أن المسألة لدى كاريل رايز تذهب لأبعد من ذلك؛ فهي دراسة في كيفية تداخل المشاعر عبر الزمن.
ورغم وجود تجربة مشابهة للمخرج الهندي الكبير مانموهان ديساي في فيلم" ديش بريما" " في السبعينات، إلا أنها كانت" مصيدة" درامية مكشوفة تعتمد على حوار مباشر، بينما غلفها رايز هنا بغموض فلسفي رفيع، وتجربة أخرى للمخرج بيمال روي ولكنها أيضا بمعنى تقليدي.
نحن أمام عمل سينمائي" صعب" يتمرن على ذكاء المتلقي، ولا أظن أنه يستهدف المشاهد الباحث عن السرد السهل.
إنه فيلم يتطلب وعياً لفك رموزه والخروج من" النفق المظلم" الذي يدخلك فيه المخرج ببراعة، مقدماً رؤية بصرية تعتمد على خطوط زمنية متقاطعة ومتوترة، تجعل من الزمن بطلاً يراوغ المشاهد حتى اللحظة الأخيرة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك