حتماً سيأتي يوم سنندم فيه أشد الندم، عندما لا ينفع الندم.
هكذا يبشّر خبراء المجامع اللغوية، وعلماء الاجتماع في بلادنا العربية، وهكذا يحذّر السياسيون، وتقيم المساجد صلواتها وتدق أجراس الكنائس محذرة: بلادنا في خطر، وأيامنا لا يكفي أن نعيش فيها الحذر، فالوقت ليس في صالحنا لكي تتأخر قوانا الناعمة في الدفاع عن هويتنا التي أصبحت على المحك، والذود عن ثوابتنا وملامحنا وثقافتنا العربية الأصيلة التي تتعرض للتشويه والتزييف والطعن من جميع الجهات.
نعم، من جميع الجهات، فتارة من جماعات الأفروسنتريك التي تحاول إقناع العالم بأن الحضارة الفرعونية (المصرية القديمة) أقامها الأفارقة وليس المصريون القدماء، وأن بناة الأهرام هم الشعب اليهودي المظلوم وليس الشعب المصري العظيم.
وها نحن اليوم نشهد أكبر حملة تشويه، بل واختراق لهويتنا العربية من خلال هجمة التكنولوجيا الفارقة والذكاء الاصطناعي، حيث تحاول بعض القوى والأطراف تصوير العربي على أنه صحراوي رحّال لا وطن له، فكيف يدّعي بأن الخارطة التي يعيش عليها الآن هي وطنه؟ ! وذلك في محاولة خسيسة لنهب ثروات الأمة والسيطرة على مقدراتها، وتبرير طردها من أوطانها، وتغطية ما يحدث من إبادة جماعية في قطاع غزة لأشقائنا الفلسطينيين، وتبرير تمركز الاحتلال الإسرائيلي في القطاع، ومحاولات طرد المستوطنين الصهاينة لأبناء الوطن الأصليين من الضفة الغربية، وتجاهل ما يلقاه القطاع المكلوم، وما أقامه المسلمون والمسيحيون من مقدسات في بيت لحم والقدس الشريف من مساجد وكنائس على مر الأزمنة والعصور.
وللأسف الشديد، نجد الآن أن محاولات تشويه الهوية العربية بدأت تمارس اختراقاتها لشبابنا المغرم بالحضارة الغربية، وقيام بعض المدارس الأجنبية بحملات تشويه وتزييف لعاداتنا وتقاليدنا، عن طريق بث بعض العادات والممارسات الاجتماعية الغريبة علينا وعلى قناعاتنا ومعتقداتنا، وتصوير الالتزام بديننا الإسلامي الحنيف على أنه نوع من الرجعية والتخلف، وأن الالتزام بالزي العربي الإسلامي نوع من التحلي بالجهالة ورفض التقدم ومجاراة الحداثة.
هذا كله إلى جانب حملات التطبيع مع الأفكار التي تروّج للشذوذ داخل المجتمعات الرياضية والمنشآت والمسابقات والبطولات العالمية، من خلال رفع الأعلام والرايات التي تدافع عن مختلف الممارسات المخالفة للفطرة، وتحويل الخطأ إلى أسلوب حياة، والكوارث الأخلاقية إلى ممارسات إنسانية عادية، تحت ستار التطور والتقدم ونبذ التراث بعد تشويهه وتزييفه.
من هنا كان لزاماً علينا، وعلى المفكرين والعلماء والمثقفين ورجال الدين والسياسة، أن يحذروا، بل وأن ينضموا إلى الكتائب الإلكترونية والفكرية المضادة لتلك التي تنتشر عبر مختلف المواقع والمنصات الإلكترونية مثل شاهد ونتفليكس وغيرهما، وأن يدخلوا في خطوط متوازية للتصدي لمحاولات التشويه المتعمدة.
كما يجب أن يضطلع علماؤنا في الأزهر الشريف، ومجمعات البحوث الإسلامية، وهيئات العلماء والمؤسسات الفكرية والثقافية، بدورهم في مواجهة هذه الحملات التي اخترقت حدودنا وجدران بيوتنا وعقول شبابنا، وسعت إلى هدم التراث بعد تشويهه، وتجريد أمتنا من حقائقها وإنجازاتها عبر التاريخ في العلوم والفنون والآداب وسائر مناحي الحياة.
إن ذلك يؤسس لضرورة العمل العربي الجماعي من خلال المراقبة الحثيثة لمناهجنا الدراسية، وسلوكيات شبابنا في المدارس والجامعات والتجمعات الرياضية، وكذلك حث القائمين على صناعة السينما والدراما على إنتاج أعمال فنية مضادة تصحح المفاهيم وتحمي العقل العربي من الاختراق المبرمج والسيطرة الفكرية، وتمنع ربط المجتمع بمصالح خارجية يُصوَّر لنا أنها تمتلك التقدم والرفاهية والازدهار، في حين أنها تسعى إلى الزج بنا في عتمة الجاهلية والاندثار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك